07/01/2013

السبت، 17 أكتوبر 2015

نعمة الإيمان



نعمة الإيمان 
إن نعم الله كثيرة لا تحصى، ومن أهم النعم التي أنعم الله بها علينا نعمة الإيمان، الإيمان الذي به ننال مرضاة الله عز وجل، وبه ندخل الجنة، وبه النجاة من النار.. وقد تحدث الشيخ عن الإيمان مبيناً ثمراته وآثاره، ثم تكلم عن حقيقة الإيمان، وأنه اعتقاد وقول وعمل، ذاكراً بعد ذلك وسائل تقوية الإيمان والحصول عليه.

حقيقة النعمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على دربه واتبع شريعته ودعا إلى ملته.

أما بعد:

فسلام الله عليكم -أيها الأحبة- ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله جميع أوقاتكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذا المكان الطاهر، وفي هذه الليلة المباركة، وبعد أداء هذه الفريضة، وجمعنا على ذكره وعبادته بمنه وكرمه ورحمته، أسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنا في جناته جنات النعيم، وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وزوجاتنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين.

أيها الأحبة: كلمة النعمة أخذت مفهوماً مغلوطاً وخاطئاً، إذ أنها إذا ذكرت لم يتبادر إلى أذهان الناس إلا النعم المادية؛ نعمة المال، والعافية في الأبدان، والزوجة والأولاد، والوظيفة، والعمارة، والمزرعة، والأموال، هذا هو مفهوم النعمة عند الناس، وهذا المفهوم غير صحيح، إذ أن هذه الأشياء التي نظنها نِعَمٌ هي في مفهوم الشرع متاع، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ [غافر:39]، ويقول عن الكفار: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:46]، ويقول عنهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12]، ويقول عز وجل: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً [لقمان:24] أي: في هذه الدار المحدودة القليلة .. ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24].

أما النعمة في نظر الشرع فليست هذه الأشياء، إنما هي نعمة الإيمان والدين والقرآن والهداية، من أنعم الله عز وجل عليه بهذه الأشياء فقد أنعم عليه بأعظم نعمة في الدنيا والآخرة، ولو لم يملك مالاً، ولو لم يحتل منصباً، ولو تعسرت عليه جميع أمور الدنيا؛ لأن هذه الدنيا ليست بشيء ..

فليست هذه الدنيا بشيء     تسرك حقبة وتسوء وقتا

وغايتها إذا فكرت فيها     كفيئك أو كحلمك إن حلمتا

وتطعمك الطعام وعن قليلٍ     ستطعم منك ما منها طعمتا

تفر من الهجير وتتقيه     فهلا من جهنم قد فررتا

ولست تطيق أهونها عذاباً     ولو كنت الحديد بها لذبتا
هذه الدنيا نسبتها إلى الآخرة ضئيلة جداً، جاء ذلك في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (ما الدنيا في الآخرة -أي: ما نسبة الدنيا إلى الآخرة- إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم -أي: في البحر- ثم ينزعها) أدخل إصبعك في البحر وانزعها، وضع تحتها صحناً وانظر بم ترجع، إنها سترجع بقطرات، هذه القطرات هي نسبة الدنيا، وذاك المحيط هو نسبة الآخرة، أجل ليست شيئاً .. وأهل النار إذا دخلوا النار يخبر الله عز وجل عنهم أنهم يقسمون يقول عز وجل: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] وتسألهم الملائكة: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون:112-113] ليسوا متأكدين، فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:113-114].

إذاً: النعمة الحقيقية نعمة الدين، يقول عز وجل في آيات كثيرة في القرآن: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]، هذا هو الذي أنعم الله عليه، من هو؟ الذي أطاع الله وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هم الذين أنعم الله عليهم؟ إنهم أربعة أصناف: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ [النساء:69-70]، أي: هذه النعمة والفضل أن يجعلك طائعاً وعابداً له، وينعم عليك كما أنعم على هؤلاء الأصناف الأربعة: النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ومَنْ غير هؤلاء؟ بقي اليهود، والنصارى، والفسقة، والعصاة، والمجرمون، والمنافقون، والكفار، والمشركون، ولماذا لم ينعم الله على هؤلاء؟ لأن هؤلاء مغضوب عليهم، ولهذا أمرنا الله عز وجل وفرض علينا في كل صلاة من صلواتنا بل في كل ركعة أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط مَنْ؟ قال تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، اللهم اسلك بنا صراطهم يا رب العالمين.. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] انتبه! فإنك في كل صلاة تقول: يا رب لا تسلك بي طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود ومن شابههم ممن علم ولم يعمل، يقول سفيان بن عيينة رحمه الله: من تشبه من العلماء باليهود ولم يعمل ففيه شبه من المغضوب عليهم، أي شخص يعرف دين الله ولا يعمل به فإن الله يغضب عليه كما غضب على اليهود؛ لأنهم كانوا يعرفون هذا الدين كما قال عز وجل: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [الأنعام:20]، ويقول الله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا [البقرة:89] الدين معروف عندهم، كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89]، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109] فغضب الله عليهم.

وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] من هم الضالون؟ هم الذين يعبدون الله على جهل وضلال، وعلى غير هدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء كثيرون جداً، أصحاب الطرق الصوفية يعبدون الله، تجد مع الواحد منهم مسبحة يسميها الألفية، وبعض المسابح الحبة فيها كبيرة ويطقطق بها .. ما هذا؟ قال: أسبح، من قال لك أن هذا تسبيح؟ وقد كنت وأنا أبحث في هذه المسألة في رسالتي (الدكتوراه) وكانت عن التصوف، فقرأت كلاماً لواحد منهم وهو يقول: لقد منَّ الله عليَّ بأن ذكرت ربي في جلسة واحدة مائة ألف مرة بذكر خاصة الخاصة .. لأن عندهم تصنيفاً للناس، هناك عوام العوام، أنا وأنت ذكرنا ليس شيئاً، لا إله إلا الله، أما هم فيقولون: لنا ذكر خاص ذكر الخاصة، وهو ذكر الله باللفظ المفرد: الله الله الله الله، الله كلمة فقط، لكن أين الصفة التي معها؟ هذه لا تفيد ذماً ولا مدحاً، وليس في الدين كله ذكر الله جل جلاله بالاسم المفرد، لا يوجد إلا سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، لابد من شيء مع الكلمة، هم يقولون: لا، الله فقط، لا نقول شيئاً غير هذا، لماذا؟ قالوا: هذا ذكر الخاصة. أما خاصة الخاصة، وهم: الناس الذين يقولون عنهم: وَصَلَ، أي: وصلوا إلى جهنم، فهم مستعجلون عليها! قالوا: هؤلاء ذكرهم فقط هو ذكر الضمير، يقول: أنا لن أقول مثل قول العوام: لا إله إلا الله، ولا الخاصة الذين يقولون: الله، أنا أقول: هو هو هو هو، مائة ألف مرة، فقلت: أجرب كم سأستطيع أن أقولها، فقلتها تقريباً عشر مرات وإذا بي صرت أنبح مثل الكلب، من الذي يقول: هو هو هو؟ إنه الكلب، هذا ذكرهم، زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسناً، هؤلاء يعبدون الله على جهل وضلال، ولا يقبل الله منهم عبادة إلا بشرطين:

الشرط الأول: الإخلاص؛ أن يكون العمل خالصاً، وهذه متوفرة عندهم، نعرف أنهم مخلصون ليس عندهم رياء.

لكن الشرط الثاني معدوم عندهم، وهو: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذان الشرطان مأخوذان من كلمة التوحيد.

 أهل الإيمان هم أهل النعمة
أيها الإخوة: الذين أنعم الله عليهم هم أهل الإيمان والدين، وقد أنعم الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بأعظم نعمة وقال له: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [الفتح:1-2]، ما هي النعمة التي أتمها على نبيه؟ أهي نعمة الأكل؟ لا، فقد مات ولم يشبع من طعام البر، اللهم صلِّ وسلم عليه، بل مات ودرعه مرهون في ثلاثين صاعاً من شعير عند يهودي، الشعير الذي نجعله الآن علفاً للبهائم، هذا الذي كان يأكله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن موجوداً بكثرة إنما بالدين، وكان يدخل الهلال والهلال والهلال شهران وثلاثة أشهر، ستون يوماً، ولا يوقد في بيوت آل محمد نار، نحن الآن بيوتنا تشتعل ناراً، كل بيت فيه موقد وفيه ست عيون، وكل عين تلتهب بالقدور، لكن هل هذه نعمة؟ لا! بيت محمد لا يوجد فيه نار لكن فيه نور وهدى، من بيت محمد صلى الله عليه وسلم انطلقت معالم الإنسانية والهدى والنور على العالم كله.

 وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [الفتح:2]. بماذا؟ بالملابس؟ بالفرش والكنبات؟ لا. إنه صلى الله عليه وسلم كان ينام على الحصير، حتى قام يوماً وقد أثر الحصير -هذا الحصير الذي من سعف النخل- أثر في جنبه، فرآه عمر فبكى، وقال: (يا رسول الله! ذكرت ملوك العرب والعجم وما هم فيه من النعم، وأنت أعظم خلق الله وأفضل خلق الله، ليس عندك فراش يا رسول الله! قال: يا عمر ! ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، ألا يرضيك يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً [القصص:83].

أما قصوره صلى الله عليه وسلم (وفلله)، وغرف نومه، ومساكنه ومجالسه، فكانت حجرات ضيقة تحددها الأحاديث في صحيح البخاري ، تقول عائشة : (كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل، فإذا سجد كففت قدمي وإذا وقف مددتهما)، لا تكفي الغرفة لشخص واحد يصلي وآخر راقد، أما غرفنا نحن اليوم فإنها غرف طويلة عريضة، شخص من أقاربي أدخلني في (فيلة) بناها، وذهب يريني غرفة النوم فإذا بها عشرة في عشرة، قلت: ما هذه؟ قال: هذه غرفة نوم، قلت: لماذا هل عندك سباق؟ أنت لست بحاجة إلى غرفة بهذا الحجم، أنت تريد أن ترقد أو تطارد؟ قال: أنا أريد أن أتوسع، قلت: والقبر ماذا عملت له؟ هل وسعته؟ قال: يا شيخ! تلك لم يأت وقتها بعد. والله إنها مصيبة في ذلك اليوم، إذا أخرجوك من بيتك وأنت منكوس رأسك إلى تحت، ووضعوك في الحفرة عندها ماذا ستقول؟ هل ستقول: لم يأت وقتها بعد؟!

النبي صلى الله عليه وسلم كانت نظرته أبعد من هذه الحياة، ولذا أنعم عليه، يقول الله عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:6-11] أي: بدين الله وهداه.

وأنعم الله على الصحابة، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بـعرفة في حجة الوداع فينزل عليه قوله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، ما هي النعم التي أتمها على الصحابة؟ إنها نعمة الدين .. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]، ويقول للصحابة: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:7-8] فضل ونعمة أن الله يجعل قلبك مشروحاً للدين، مفتوحاً للإيمان، يحب الإيمان والصلاة والصوم والذكر والعبادة؛ لأن هناك أناساً حُرِمُوا هذه النعمة، فأسوأ شيء عندهم طاعة الله، وأكره صوت عندهم الأذان، وأسوأ منظر عندهم أن يروا عالماً أو داعية أو مسجداً، وإذا دخل المسجد ضاق؛ لأنه كره إليه الإيمان، محروم من نعمة الهدى والنور.

أجل يا أخي! النعمة الحقيقية نعمة الإيمان، قد يقول قائل من الناس: لماذا؟ قال العلماء: إنما تعرف النعم بآثارها، الناس اليوم يسمون المال نعمة، قالوا: لأن الذي عنده مال يستريح، يستطيع أن يشتري سيارة، ويعمر عمارة، ويتزوج بزوجة، ويأكل من كل ما لذ وطاب، ويكتسي ويفرش، هو مستريح أربعة وعشرين ساعة، أجل أنا في نعمة بالمال والمال نعمة في الدنيا، هذا صحيح، لكن إذا مت هل ينفعك المال؟ لا.

لا ينفع الإنسان في قبره     إلا التقى والعمل الصالح

يا من بدنياه اشتغل     وغره طول الأمل

وقد مضى في غفلة     حتى دنى منه الأجل

الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

ما الذي ينفع في القبر؟ الإيمان والعمل الصالح، مثل الذي بنى هذا المسجد ينفعه بعد الموت، أسأل الله أن يجعل لمن بناه بيتاً في الجنة، والله هذا هو العمل الصالح وهذه هي التجارة الرابحة مع الله، لكن القصر الذي أبنيه أو البيت لن ينفعني إلا إذا عمرته بذكر الله، ولم أدخل فيه معصية لله، وكان مملوءاً بالطاعات، وإذا عمرته بالمعاصي وأدخلت آلات المعاصي، كانت العمارة والبيت وبالاً عليَّ في الدنيا والآخرة.

ثمرات الإيمان وآثاره
أيها الإخوة: إن نعمة الإيمان أعظم نعمة؛ لأن أثرها بعيد .. المال ينفعك في الدنيا لكن لا ينفعك بعد الموت .. المنصب ينفعك في الدنيا لكن إذا مت لن تدخل بمنصبك .. الأولاد والزوجات ينفعون في الدنيا لكن لن ينفعوك عند الموت، وإنما يتركونك ويذهبون، فالذي ينفعك في الدنيا والآخرة هو الإيمان والعمل الصالح.

و يظن بعض الناس أن الإيمان ينفع فقط في الآخرة، وأن الإيمان والدين يضيق على الإنسان، ويحرم الإنسان من لذائذ الحياة، ولذا تجد الواحد منهم يقول: الآن أشبع وبعدها الأمر سهل. لا، إن الإيمان -يا أخي- لا ينفعك في الآخرة فقط، وإنما تسعد به في الدنيا والآخرة، وقد يقول قائل: كيف أسعد بالإيمان في الدنيا؟ اسمع آثار الإيمان عليك في الدنيا:

 معرفة الهدف والغاية من وجود الإنسان
إن الإيمان يقدم لك -أيها الإنسان- التفسير الحقيقي لهذه الحياة، هذه الحياة -أيها الإخوة- لغز محير حارت في فهمه العقول، وعجزت كل النظريات والفلسفات أن تعرفه، وعاش الإنسان في عذاب وشقاء، وهو لا يدري من أين جاء؟ ولا يدري لماذا جاء؟ ولا يدري إلى أين بعد أن يموت؟ حتى قال شاعر الكفار:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت     ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت     كيف جئت؟ كيف سرت؟

كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري     ولماذا؟ لست أدري لست أدري!!

تصوروا شخصاً يقطع رحلة العمر كلها وهو لا يدري لماذا يعيش!

أنت الآن لو كنت مسئولاً في الأمن أو في المرور ورأيت سيارة على طريق الدمام ، وأوقفت السائق وقلت له: من أين أتيت؟ قال: لا أدري، قلت: أين أنت ذاهب؟ قال: والله لا أدري، لماذا تمشي؟ قال: والله يا أخي لا أدري، ما هو رأيك .. هل تسمح له بالمشي؟ لا. وإنما تقول له: توقف، فإن هذا أحد رجلين: إما مجنون، أو سكران، وهل يسمح للمجنون والسكران أن يسير في الطريق العام؟ لا، لماذا؟ لأنه سيسبب كارثة للناس، هذه رحلة ثلاث ساعات إلى الدمام، يمنع أن يمشي الشخص فيها وهو لا يدري أين يمشي، فقولوا لي بربكم: من يقطع رحلة العمر ستين سنة أو سبعين سنة وهو لا يدري لماذا يعيش! ولا يعرف من الدنيا إلا كما يعرف الحمار! لو سألنا الحمار وحققنا معه وقلنا: يا حمار! لماذا تعيش هنا؟ لقال: لآكل وأشرب وأرقد، وإذا رأى الأنثى رفع أذنيه وأسرع نحوها، هذه حياة البهائم، بعض البشر الآن يعيش بعقلية الحمار، يأكل ويشرب وينام وإذا رأى الأنثى أسرع، ما رأيكم هل هذا إنسان؟! ما الفرق بين الاثنين؟ ليس هناك فرق، ولهذا الله يقول: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ليته كالأنعام بل هو أضل من الأنعام، هذا كلام الله يا إخواني.

فالإيمان يقدم لك التفسير ويعلمك من أنت؟

دواؤك فيك وما تبصر     وداؤك منك وما تشعر

وتحسب أنك جرم صغير     وفيك انطوى العالم الأكبر

أنت أكرم مخلوقات الله، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك بطاعته ونهاك عن معصيته، وأنزل عليك كتبه، وبعث إليك رسله، وهيأ لك جنته، وحذرك ناره، أي تكريم أعظم من هذا التكريم؟! وتترك هذا كله وتذهب إلى الشيطان وتعبده وتطيعه، إنها والله خسارة كبيرة.

فأول شيء من آثار الإيمان أن الإيمان يعلمك لماذا جئت.

 حصول الأمن والطمأنينة
بالإيمان يحصل لك الأمن والطمأنينة، والله لا يسكن القلب ولا تستريح النفس في الدنيا، ولو تمتعت بجميع متعها ولذائذها، والله لا تستريح إلا بالإيمان، والذي لم يجرب فليجرب؛ لأن الله يقول: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] فلا تطمئن القلوب بالأموال، ولا بالأكل، ولا بالزوجات، ولا بالسيارات، ولا بالعمارات، انظروا إليهم في أوروبا الآن، الكفار يعيشون قمة الحياة في الأمور المادية، لكن هل حققت لهم المادة سعادة؟ يعيشون أسوأ عيشة؛ الانتحار .. الأمراض النفسية .. التفكك الأسري .. التحلل الاجتماعي .. الجنون المسرحي والتمثيلي والكروي، الفساد العام، بسبب ماذا؟ بسبب بعدهم عن الإيمان؛ لأن الله يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طـه:124] معيشة ضنكاً ولو عنده (مليارات) لماذا؟ لأن الأموال ترفه عن الجسد، أما القلب فماذا سيضع له؟ يدخل له (شيكاً)، أو يجعله في (فيلة) أو يعطيه طعاماً خاصاً؟ لا، القلب له طعام آخر، من السماء، إنه الإيمان، دخل إلى القلب فاطمئن .. وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد:28].

 ضبط المسار وتحديد الاتجاه
بعد ذلك الدين يضبط مسارك ويحدد اتجاهك في الحق؛ في الصلاة والزكاة والصوم، في العمل الصالح، في وظيفتك ومصلحتك وشئونك، وإذا دعيت إلى منكر فإنك تقول: لا، من الذي جعلك تقول لا؟ إنه الإيمان، ولو لم يكن عندك إيمان لعصيت، ولذا نرى الذين وقعوا في الجرائم لو ذهبت إليهم في السجون وقلت للواحد منهم: ماذا عملت؟ لقال: أنا قاتل، لماذا قتلت؟ قال: الشيطان، يجعلها على إبليس ولا يلوم نفسه، والثاني روج للمخدرات .. لماذا تروج هذا الداء الوبيل الذي يفتك بالأُسَرِ، ويقضي على الإنسانية؟ قال: الشيطان، والثالث يسرق .. لماذا تسرق؟ قال: الشيطان، وذاك زنى .. لماذا تزني؟ قال: الشيطان، متى تسلط عليهم الشيطان؟ عندما ابتعدوا عن الإيمان؛ لأن الله يقول: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [النحل:99] الشيطان لا يتسلط على المؤمن أبداً؛ لأن المؤمن ينظر بنور الله، وإذا جاءه الشيطان عرض أمر الشيطان على الإيمان فرأى أنه باطل، فلا يأتيه أبداً حتى ولو دعي، لكن الأعمى الذي ليس عنده إيمان يلعب عليه الشيطان، ويقوده حتى يوقعه، أوقعه في المعصية تخلى عنه. أجل إن أعظم شيء يسعدك في الدنيا هو الدين والإيمان؛ لأنه يحميك.

 ولاية الله للعبد
من آثار الإيمان: أن الله يتولاك في جميع شئونك، يقول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] أما ترضى -يا أخي- أن يكون الله عز وجل وليك؟! يرزقك من حيث لا تحتسب، يجعل لك من كل عسر يسراً، ومن كل ضيق فرجاً، ومن كل همّ مخرجاً، يتولاك الله عز وجل، يقول في الحديث القدسي، والحديث ذكره ابن القيم في الجواب الكافي ، يقول الله: (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بي فكادته السماوات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني إلا أسخت الأرض من تحت قدميه، وقطعت عنه أسباب السماء ثم لا أبالي في أي وادٍ هلك) أترضى هذه العيشة؟!

 التثبيت بالقول الثابت في الدنيا والآخرة
تأتيك آثار الإيمان بعد الموت، إذا كنت في سكرات الموت فإن الدنيا كلها ترفضك، والإيمان يقول: أنا معك، ويثبتك الله بالقول الثابت .. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27] لم يقل: يثبت التجار أو العظماء أو الأثرياء، وإنما يثبت الله الذين آمنوا في تلك اللحظات الحرجة، التي تزيغ فيها الأبصار من هول الموقف، والإنسان يرى ملائكة العذاب أو النعيم، وهو يعالج سكرات الموت فيثبته الله عز وجل فيقول: لا إله إلا الله، هذه الكلمة، وقد جاء في الحديث الذي في سنن النسائي وابن ماجة وأبي داود والترمذي بسند صحيح: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) من يقولها عند الموت؟ الذي ثبته الله عليها في الحياة، وبعد ذلك تدخل القبر فيجعل الله قبرك روضة من رياض الجنة، ويثبتك ويلهمك حجتك، إذا سئلت: من ربك؟ قلت: ربي الله .. ما دينك؟ ديني الإسلام .. من نبيك؟ نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، من الذي ثبتك وأنت في القبر؟ إنه الله .. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27] اللهم ثبتنا يا مولانا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.

يوم القيامة يخرج الناس من قبورهم، والمعالم الكونية قد تغيرت .. السماء انفطرت .. والكواكب انتثرت، والبحار فجرت، والنجوم بعثرت، والشمس كورت، كل شيء متغير، يخرج الإنسان عارياً حافياً، حتى القطعة التي قطعت منه يوم ختن تعود له يوم القيامة، يبعثون عراة حفاة غرلاً بهماً غير مختونين، قد تعلقت قلوبهم بالله .. إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ [غافر:18]، القلب ليس ثابتاً قد ارتفع من مكانه .. كَاظِمِينَ [غافر:18] مكظوم من قلبه، انظر عندما تدخل الطائرة في مطب هوائي ثم تنزل، كيف سيكون حالك؟ تقول: هه هه! يرتفع قلبك من مكانه من الخوف، فهؤلاء ليس للحظة واحدة، بل طوال وقتهم في الموقف وقلوبهم مرتفعة، يقول الله: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18].

في ذلك اليوم إن كنت من أهل الإيمان يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتأخذ كتابك بيمينك؛ لأنك من أهل اليمين، وتوزن فترجح موازينك؛ لأن لك وزناً ولك قيمة، عندك توحيد وصلاة وزكاة وعمل، بعد ذلك ترد الحوض فتشرب شربة لا تظمأ بعدها أبداً، وبعد ذلك يقال لك ولأمثالك: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:70-72].

هذه آثار الإيمان يا إخواني! ما رأيكم هل هي مفيدة وجيدة أم لا؟ هل إذا آمنت تخسر؟ والله لن تخسر شيئاً، ماذا خسرت؟! خسرت الزنا، وهل الزنا خسارة؟! لا والله، بل تركه كرامة، هل خسرت الخمر، وقلة الدين، وقطع الصلاة، وعقوق الوالدين، والمخدرات؟ هذه كلها محرمة؛ لأن الله لم يحرم شيئاً إلا وفيه ضرر، ولم يبح شيئاً إلا وفيه نفع، الخير كله في دين الله، والشر كله ليس في دين الله، فأنت رابح في الدنيا، ورابح عند الموت وفي القبر والحشر، ورابح يوم تدخل الجنة، لكن عندما تترك الدين أو تضيع من الدين ماذا ستربح؟ تغني، حسناً غني، وماذا بعد ذلك؟ أدخلوك النار، قم واترك الغناء، واعلم أنه ليس بديلاً يا أخي اتق الله! النعمة الحقيقية نعمة الإيمان.

حقيقة الإيمان
ما هو الإيمان؟ ما دام أن هذا الإيمان له آثار طيبة، فما هو الإيمان؟

الإيمان -أيها الإخوة- ليس كلمة تقال باللسان، ولكنها حقيقة ذات أعباء وتكاليف، كلمة لها قيمتها ووزنها وثمنها، الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتكون من ثلاث حقائق: حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية.

الحقيقة الأولى اللفظية هي: الإظهار والإشعار بكلمة الإخلاص وكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه أول شيء، قبل أن يصلي الإنسان يجب أن يشهد أن لا إله إلا الله، لو صلى بغير (لا إله إلا الله) لم تنفع؛ لأن شروط الصلاة تسعة أولها: الإسلام، وهذا لم يسلم حتى الآن، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن ، قال له: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ...)، وإذا أراد أي إنسان أن يدخل في الدين، فإن أول شيء أن يعلن كلمة التوحيد، قال العلماء: لأنها عقد يوقعه العبد مع ربه على ألا يعبد إلا الله ولا يتبع إلا رسوله، هذه اتفاقية إذا طبقها طوال عمره فإنه عند الموت سيقول: لا إله إلا الله؛ لأنه طبق الاتفاقية، وإذا كان عند الموت ولم يقل (لا إله إلا الله) فمعنى ذلك أنه لم يطبق الاتفاقية بل نقض العقد.

وقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة عن أناس ماتوا ولم يقولوا لا إله إلا الله، وفي هذا العصر يخبرنا الثقات عن أقوام قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، فلم يقولوها شخص كان يدخن فلما جاءه الموت قال له الذين كانوا عنده: قل (لا إله إلا الله) وهو يلفظ الروح، قال: هبوا لي دخاناً، يريد أن يشرب الدخان قبل أن يوضع في القبر، قالوا: لا يوجد دخان، سوف تموت، قل (لا إله إلا الله) قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها، ثقلت على لسانه هذه الكلمة.

وشاب آخر كان يقود سيارته بسرعة جنونية، ووقع له حادث مروري وقطع (الدركسون) بطنه، وأتوا عليه وهو يلفظ أنفاسه فلقنوه وقالوا: قل (لا إله إلا الله) فقال: هل رأى الحب سكارى مثلنا؛ لأن الشريط كان يغني، وكان طوال الطريق يستمع إلى المغنية وهي تقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا، قالوا: قل (لا إله إلا الله) سوف تموت، قال: أعطني حريتي أطلق يدي، ومات على هذه الكلمة؛ لأن من عاش على شيء مات عليه.

إذاً: الحقيقة الأولى اللفظية هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقولها.

الثانية: حقيقة قلبية، وهي أن تعتقد بقلبك بصدق، أن تصدق ما نطق به لسانك؛ لأن من قال: (لا إله إلا الله) وقلبه لم يعتقدها بصدق فهؤلاء هم المنافقون، فالمنافقون قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة:8]، قال الله عز وجل: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] إنهم كذابون .. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:9] فلا بد أن يتواطأ القلب واللسان، تقول (لا إله إلا الله) بصدق من قلبك أنه لا إله إلا الله، و(لا إله إلا الله) ينتظم فيها التوحيد بفروعه الثلاثة، أي: لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا معطي ولا مميت إلا الله، وأيضاً لا معبود بحق إلا الله، فلا تدعو، ولا تذبح، ولا تخشى، ولا ترجو، ولا تستغيث، ولا تستعين، ولا تتوكل، ولا تخاف إلا من الله، و(لا إله إلا الله) تقتضي أيضاً توحيد الأسماء والصفات؛ لأنها متلازمة، أن تثبت الأسماء والصفات لله كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم كما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، وإنما على حد قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] سبحانه وتعالى.

وبعد ذلك محمد رسول الله، الكلمة الثانية هذه لا تتبع أحداً في العبادة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعبد الله إلا بالدليل، لا بالاستحسان، ولا بالهوى ولا بالعادات، ولا باتباع آبائنا ومشايخنا وأوليائنا، إنما قال الله وقال رسوله، هذا هو الدين، والذي ليس عنده قال الله وقال رسوله فليس عنده دين.

الحقيقة الثالثة: حقيقة عملية؛ وهي تأتي برهاناً ودليلاً على صدق ما نطق به اللسان، واعتقده القلب، وهي أعمال الشرع، وذلك مثل الصلاة، فإنها حقيقة لفظية وقلبية وعملية، شخص يقول: (لا إله إلا الله) ولكن لا يصلي هذا نقض إسلامه وإيمانه، وأصبح في نظر الشرع كافراً؛ لأن ترك الصلاة كفر .. (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، لا بد من العمل، والعمل جزء من الإيمان، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة ، بخلاف المرجئة ، فإنهم يقولون: العمل ليس له علاقة بالإيمان، لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر عمل، وضيعوا دين الله، وكثير من الناس الآن عقيدته عقيدة المرجئة وهو لا يدري، تجده لا يعمل أي عمل، وإذا قلت له: لماذا لا تعمل؟ قال: يا شيخ! والله أنا قلبي مؤمن بالله.

كنت مرة في زيارة لبعض الدول، وحينما دخلت الفندق سمعت موسيقى صاخبة مؤذية، فنظرت وأنا في المصعد وإذا بالذي يغني في الفندق وعنده أجهزة كثيرة، رجل رأسه أصلع كبير وطويل وعريض وهو يحرك يديه، فذهبت غرفتي وجلست، ولما جاءت الصلاة نزلت لأصلي في مصلى الفندق، ورجعت وإذا بالرجل واقفاً، فدعاني أحد المسئولين الذين استضافوني وأعطيته التذاكر، وإذا بهذا الشخص يسلم عليَّ، فقلت له: أنت الذي كنت تغني بالليل؟ قال: نعم، هل أعجبك؟ قلت له: أنت مسلم؟ قال: نعم أنا مسلم، قلت: هذا الغناء الذي تغنيه هل ينفعك بين يدي الله عز وجل إذا مت غداً؟ قال: لا والله لا ينفع، اعترف وعلم أن الغناء لا ينفع، قلت: كيف تعيش على حياة تعرف أنها لا تنفعك إذا مت؟ قال: والله يا شيخ أنا قلبي نظيف، قلت: قلبك نظيف فقط، ليس عندك غير القلب النظيف؟ قال: نعم، قلت: أنا وأنت الآن لو مكثنا في الفندق عدة أيام، وأردنا أن نخرج من الفندق بعد ذلك وقالوا: ادفعوا الأجرة، قلنا: لا، قلوبنا مؤمنة بأن هذا فندق، والله أنا مؤمن إيماناً جازماً أن هذا الفندق ممتاز وخمسة نجوم، لكن لن أدفع الأجرة، ما رأيكم هل ينفع هذا؟ سوف يقولون: هات الأجرة أو السجن، وهذا يريد الجنة بقلب نظيف ولم يصل لله ركعة، فانتقلت معه إلى سؤال آخر، قلت: أنت تصلي؟ قال: لا والله لن أكذب عليك، قلت: لماذا؟ قال: إن أمي تصلي، أمه تصلي بالنيابة، قلت: إذا ماتت أمك هل سيضعونها معك في قبرك، أو أنت معها في قبرها؟ قال: لا، كل واحد له قبر، قلت: وكل واحد صلاته له، أم أنه ستخرج أمك من القبر إذا سألوك وتقول: إني أُصلي بدلاً عنه؟ قال: ادع لي يا شيخ، قلت: أسأل الله أن يهديك، وتركته ومشيت، وانقطع الصوت، ولم أعد أسمعه ثلاثة أيام وأنا في الفندق، والرجل جالس ولم يعد يغني، وعندما أردت أن أمشي وأنا أستلم أغراضي من عند موظف الاستقبال، قال لي الموظف: متى تمشي يا شيخ؟ قلت: الآن إن شاء الله، قال: حسناً، قلت: لماذا؟ قال: هذا المغني يا شيخ كل فترة يقول: متى يمشي الشيخ؟ متى يمشي الشيخ؟ إنه مسكين محصور من أجل وجودي، يريدني أن أمشي من أجل أن يرجع للغناء.

هذه هي عقيدة المرجئة ، لكن عقيدة الإسلام عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. هذا هو التعريف الصحيح للإيمان.

وإذا نقص من العمل شيء فما هو الحكم؟

هذه مسألة مهمة ينتبه لها طلبة العلم، إذا أنقص شخص من العمل شيئاً، فإن أهل السنة والجماعة يقولون: ننظر إلى الشيء الناقص، فإن كان تركه كفراً مثل الصلاة انتقض إيمانه، وإن كان تركه ذنباً ومعصية -كبيرة كانت أو صغيرة- فهو فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، داخل الدائرة، لا يصير كافراً، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، وهذا يسمونه في العقيدة: الفاسق الملي، أو صاحب الكبيرة، بخلاف الخوارج والمعتزلة ، فإن الخوارج يقولون: إذا ترك الإنسان أي شيء من العمل كفر، وهو في النار في الآخرة، والمعتزلة يقولون: إذا ترك شيئاً من العمل فلا يكفر ولا يبقى مسلماً، إذاً ماذا يصير؟ قالوا: يبقى في منزلة بين المنزلتين، معلق لا كافر ولا مؤمن، أين هو في الآخرة؟ قالوا: في الآخرة هو في النار. وهذا باطل، والحق ما كان عليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ لأن الذين وقعوا في الكبائر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحدود لتطهرهم، وأخبر أنهم في الجنة، فهذا ماعز جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ بشر مسكين وقع في الغلط، لكن إيمانه مثل الجبال، جاء وقال: (يا رسول الله! إني زنيت فطهرني) لم تأت به الهيئة ولا الشرطة، وإنما جاءت به الشرطة الداخلية؛ القلب الحي المعمور بالإيمان .. (طهرني يا رسول الله! قال: أبك جنون؟! قال: لا يا رسول الله! قال: لعلك قبلت، لعلك كذا .. قال: لا والله يا رسول الله! قال: ارجموه. فقال واحد من الصحابة: لعنه الله! يستره الله ويفضح نفسه، قال: لا تقول هذا، فوالذي نفسي بيده إنه لينغمس الآن في أنهار الجنة).

والمرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا فرجمها، قال عنها: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم). فمعنى هذا: أن الذي يقع في الذنب لا يكفر، لكن يصير عاصياً صاحب كبيرة وصاحب ذنب، وهو تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.

والإيمان يزيد وينقص، وذلك بالعمل، فهل عمل الناس كلهم سواء؟ ليس عمل الناس سواء، أنتم الآن قبل المغرب وجئتم وجلستم في المسجد، في روضة من رياض الجنة، ومجلسكم تحفه الملائكة، وتسمعون كلام الله، فإنه يزداد إيمانكم، أليس كذلك؟ لكن لو أنكم -عافاكم الله وحاشاكم- جلستم في مجلس آخر فيه ضرب عود وطرب، فهل يزيد الإيمان أم ينقص؟ بل ينقص، يخرج كل واحد منكم يبحث له عن معصية، لا يكتفي بالمعصية تلك، يريد أن يسهر على معصية أكبر؛ لأن إيمانه نقص، لكن الواحد منكم يخرج الآن ليبحث له عن طاعة أخرى؛ يشتري شريطاً أو كتاباً، أو يرجع إلى بيته يبر والديه، أو يرجع فيقوم الليل راكعاً وساجداً، أو يتوب إلى الله من الذنوب.

إذاً فالإيمان يزيد بالطاعات، ولهذا قال الله: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، وما احتمل الزيادة احتمل النقص، هذا معتقد أهل السنة والجماعة .

وسائل تقوية الإيمان
بقيت مسألة أخيرة يقول فيها أهل العلم: كيف نحصل على الإيمان؟ ما هي وسيلة الحصول على الإيمان؟ أين يباع؟ في أي سوق؟ في أي صيدلية؟

نقول: الإيمان بضاعة الله يهبه من يشاء .. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا .. لكن له أسباب، فأنت الآن في البيت تقول: اللهم ارزقني يا رب، لكن هل تظل راقداً أم تخرج لتشتغل؟ لو جلست في البيت وقلت: اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أعطني قرص خبز وصحن فول هذه الليلة يا رب العالمين، وجلست في البيت، فهل سيأتيك قرص خبز من السماء وصحن فول؟ لا، لا بد أن تتحرك وتذهب إلى صاحب الفول وتعطيه ريالين، وصاحب الخبز تعطيه ريالاً وتأخذ منه، لا بد من الأسباب، بعض الناس تجده على المعاصي وإذا قلت له: يا أخي! اتق الله، قال: يا شيخ! سيهدينا الله .. يهديك الله وأنت شارد! بعض الآباء الآن يترك ولده نائماً، ولا يوقظه لصلاة الفجر في المسجد، وإذا جاء وقت المدرسة أيقظه، لماذا لا توقظه للصلاة؟ قال: الله يهديه .. والمدرسة؟ قال: تهديه العصا، لماذا أصبحت المدرسة مهمة أما الصلاة فليست مهمة عنده؟ لماذا لا تتركه بالنسبة للمدرسة وتقول: الله يهديه، يدرس أو لا يدرس؟ لا، المدرسة لها مستقبل وعلم، حسناً والصلاة أليس لها مستقبل ونور وهدى؟ قال: لا، هذا لا زال صغيراً، لا زال صغيراً والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) وأنت لم تأمره، وصار ابن عشر سنين ولم تضربه إذا لم يصل، وحينها يصير رجلاً وهو لا يصلي، ويأتي الأب يشكو ويقول: ولدي لا يصلي؛ نعم لا يصلي لأنك لم تعلمه وهو صغير، ولم تؤدبه وهو صغير.

أيها الإخوة: الإيمان له عشرة أسباب أذكرها باختصار:

 تلاوة القرآن وحفظه
أول سبب وأعظم سبب تحصل به على أعلى مستوى وأعظم قدر من الإيمان: تلاوة القرآن وحفظه .. لأن الله جعل القرآن مادة الإيمان، يقول سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، والقرآن نور، يقول الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174]، ويقول عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة:15-16] أي: طرق الفلاح في الدنيا والآخرة، وما ترون اليوم في عالم الناس من جفاف في القلوب، ومن جمود وتحجر في العيون، ومن جُرأة على المعاصي، ومن كسل في العبادة، سببه الأول والأخير بُعد الناس عن القرآن، بعض البيوت يدخل الشهر ويخرج ولم تقرأ فيه آية .. أين الأسر التي تجتمع على القرآن؟ أين هم أيها الإخوة؟! يدخل الشخص بيته ويقول: هات القرآن يا امرأة! تعال يا ولد! تعال اقرأ آيتين من القرآن الكريم، وبعد ذلك تأخذ التفسير، لكن الآن يدخل الواحد إلى داره وإذا بشخص ينظر إلى المسلسل، وآخر يستمع إلى الأخبار، وآخر إلى الأغاني .. والشر نازل من القناة فاتحة الذراعين هكذا، ترحب بالشرور التي تلتقطها وتستقبلها، ويشتريها الواحد منا بعشرة آلاف من أجل أن يفسد أهله بما يسمونه (الدش)، صدقوا! إنه دش مليء بالشر والفضيحة .. أين القرآن؟ كيف يأتي الإيمان بهذا الأسلوب؟ أول شيء تلاوة القرآن وليست التلاوة هي القراءة التي نقرؤها نحن الآن، التلاوة هي أن تقرأ القرآن كما أنزله الله، تقرأ القرآن على شيخ، تبحث عن معلم للقرآن في أي مسجد، وتجلس عنده وتقول: يا شيخ! أريد أن أقرأ القرآن، والقرآن ليس صحيفة أو كتاباً بل هو كتاب ربك، الله يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] وترتيل القرآن: هو معرفة مخارج الحروف ومواضع الوقوف، يقول ابن الجزري :

والأخذ بالتجويد حتم لازم     من لم يجود القرآن آثم

لأنه به الإله أنزل     وهكذا منه إلينا وصلا

وهو أيضاً حلية التلاوة     وزينة الأداء والقراءة

وهو إعطاء الحروف حقها     من صفة لها ومستحقها
إلى آخر الجزرية ... فعليك أن تعرف تلاوة القرآن حتى تتلذذ بكلام الله، وبعد ذلك تدبر، كل آية تفكر فيها، ماذا يريد الله؟ وبعد ذلك تحفظ، تبدأ الحفظ من سورة (ق) إلى الناس، هذا اسمه المفصل، وبعدها احفظ البقرة وآل عمران؛ لأن حفظهما -أي: البقرة وآل عمران- بركة يقول عليه الصلاة والسلام: (البقرة أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) أي: السحرة لا يقدرون على البقرة، والبيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان، (إن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كغمامتين أو كغيايتين يستظل بهما صاحبهما يوم القيامة)، فاحفظ البقرة وآل عمران -أقل شيء- والمفصل، وما استطعت عليه من السور، حتى يجعل الله في قلبك الإيمان.

أما إذا لم تحفظ القرآن فمن أين يأتيك الإيمان؟ ما الذي تريده أنت؟ ألست ترجو النجاة؟ يقول الشاعر:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تجري على اليبس

فالذي يريد الإيمان يبحث عنه يا إخواني! الآن الذي يريد أن يشتري أرضاً ماذا يعمل؟ تراه يرابط في مكاتب العقار كل عشر دقائق ينتظر، وإذا نظر إلى الجريدة ينظر الإعلانات التي تخص الأراضي، وعمله وهمته الأرض حتى يجد أرضاً، وإذا أراد أن يبني فتراه في الأماكن والعمارات التي لا زالت تبنى، يدخل العمارة هذه وينظر كيف المخطط، وكيف المجلس والغرف، وكيف التفصيل والتشطيب، ويسأل هذا، وأين المهندس الجيد؟ وأين المنفذ الجيد؟ ومن الذي عنده أدوات؟ عمله هذا لأنه يريد عمارة، والذي يريد زوجة تراه يفكر في الزواج، ويسأل ويرسل أمه عند المناسبات والزواج، لتبحث له عن زوجة جميلة، ويقول: دعونا نتزوج .. والذي يريد الإيمان ما هو رأيكم؟ هل يبحث عنه أم لا؟ يبحث عنه، لكن كيف تحصل على الإيمان؟ عن طريق القرآن أولاً.

 معرفة أسماء الله وصفاته
ثانياً: عن طريق معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى .. فإن الله عرف نفسه عند خلقه بأسمائه وصفاته وأوضحها في القرآن الكريم، وجعلها تذييلاً مناسباً في أغلب آيات القرآن، والحديث في صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، ما معنى: من أحصاها؟ هل هو من أحصاها عند الجهلة يقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ ...؟ فقط هذا الإحصاء؟ ليس هذا هو الإحصاء، لكن قالوا: من أحصاها أي: من فهمها وعمل بمقتضاها وحققها، هذا هو الذي أحصاها ولو لم يحفظها، وما هو مقتضاها؟ أن ينطبع فيك أثر لكل صفة لله، إذا عرفت أن الله رزاق: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:58] آمنت بأن رزقك على الرزاق، لكن إذا ذهبت لتبيع الدخان في دكانك، وجاءك شخص وقال لك: الدخان لا يجوز بيعه يا أخي فلا تبعه، وقد تكون ممن يشرب الدخان، يقول بعضهم: لا يا شيخ! الدخان مضر وأنا لا أشربه، لكن والله لا نبيعه إلا لأنه يجلب المشتري؛ بمعنى أنه يرزق، إن الذي يجلب المشتري هو الله، الآن عقيدتك هذه فاسدة، تعتقد أن الدخان هو الذي يأتي بالمشتري، إذاً راجع توحيدك وإيمانك، لا يجلب المشتري إلا الله سبحانه وتعالى، ولا تبع الدخان فإن الذي حرمه حرم ثمنه، ولو أنك ممن تشرب الدخان لكان ذنبك واحداً، لكن عندما تبيع الدخان فما من (سيجارة) تباع من دكانك إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، تأتي (والكراتين) على ظهرك -والعياذ بالله-، فلا بد من تحقيق الأسماء والصفات.

 دراسة السنة النبوية
الثالث من الأسباب: دراسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم .. فإن السنة المطهرة هي الشارحة للقرآن والموضحة له، والمطلقة لما قيد القرآن، والموضحة لما أبهم، يقول عليه الصلاة والسلام: (أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة.

وتبدأ بالصحيح حتى تكون ثقافتك الحديثية موثوقة، ولا تكلف نفسك قضية كل حديث ومن أخرجه، ابدأ بكتاب اسمه اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان ؛ هذا الكتاب اكتفى فيه المؤلف بجمع ما في الصحيحين المتفق عليه، الحديث الصحيح الذي لا شك في صحته، وعند حفظك لهذا الكتاب تصبح أحاديثك كلها صحيحة، وإذا سألك أحد: أين هذا الحديث؟ تقول: في البخاري ومسلم ، متفق عليه، دون أن تشغل ذهنك؛ لأن قضية معرفة الحديث كله ومن أخرجه هذه ليست عملية سهلة، لا يستطيعها إلا أفراد من الأمة ومن كبار العلماء، لأن كل حديث له سند، وكل حديث له راوٍ، وكل حديث له مخرج، فأنت في بداية الطلب وطن نفسك على حفظ البخاري ومسلم ، وبعد ذلك إذا أردت الصحيح في غير البخاري ومسلم فلا مانع.

 دراسة السيرة النبوية
الرابع: دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .. فإن سيرته وأحواله وشمائله وأخلاقه ترجمة عملية للإسلام، تقول عائشة وقد سئلت عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، قالت: (كان خلقه القرآن).

فإذا أردت أخلاق الرسول فاقرأ القرآن، فإنه صلى الله عليه وسلم كان متمثلاً القرآن في كل حركته؛ في بيعه وشرائه، وسلمه وحربه، ونومه ويقظته، وأكله وشربه، وسفره وإقامته، وتعامله مع نفسه وأولاده وزوجاته، وقد جمع الله له جميع الكمالات البشرية حتى شهد الله له وقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] الكمالات موزعة في الأنبياء وفي البشر، لكن هي عند محمد مكتملة، يقول الله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [الأنعام:90] أي: الأنبياء فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90] الذي تراه عندهم اقتد به كله يا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأذكر لكم حديثاً في البخاري ، يقف الإنسان عنده موقف المتعجب: كان عنده صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فأرسلت زوجة له أخرى طعاماً في إناء مع غلام لها، ففتحت الذي عندها الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا بالغلام ومعه الطعام، فقالت: ما هذا؟ قال: هذا طعام من فلانة -ضرتها- لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضبت وضربت يد الغلام، فسقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، والرسول صلى الله عليه وسلم ينظر الوضع، فماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ انظروا إلى الإنسان العظيم، لو أنه واحد منا لأخذ العصا وقام بضربها، وقد يطلقها وتحدث مشكلة، لكن لم يغضب وإنما قال: (غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم) قدر لها صلوات الله وسلامه عليه هذا الموقف؛ لأن الباعث عليه هو الحب والغيرة، وأيضاً الأحقية، تقول: هذا اليوم لي، فليس من حق أي شخص أن يطعم الرسول في بيتي، أنا أطعم الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك تلاحقني بالطعام حتى في بيتي!

ثم قام الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ إناءً من بيتها وجعل فيه طعاماً غير الذي جاء به الغلام، فأرسله إلى صاحبة الطعام الأول وقال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) رده إلى صاحبته وانتهت المشكلة.

بعض البيوت -أيها الإخوة- تحترق وتدمر، ويحصل الطلاق، وتشتت الأسرة بكلمة واحدة تقولها المرأة، أو بتصرف يعمله الولد، فيرتكب الرجل حماقة ويغضب، فتراه يضرب ويطلق ويعتدي على امرأته المسكينة، ويجعل نفسه بطلاً وهو في الخارج دجاجة لا يساوي شيئاً، لكن عند المرأة أسد، فلا تستأسد على امرأتك، لا يكرم امرأته إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم .. (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) ولا تتصور أنك عندما تكون طيباً في بيتك ستصبح ممتهناً أو ذليلاً، لا والله! بل هذا من أعظم معاني الرجولة، لكن بشرط: ألا تضيع وتذوب شخصيتك فيحصل الخطأ في بيتك وأنت لا تستطيع أن تغيره، كن متوازناً، هناك بعض الرجال يُطلق الحبل للمرأة حتى أنه لم يعد يأمرها بشيء، فتخرج متى أرادت، وتأتي بالذي تريد، تركها تفعل ما تشاء فهي سائبة، وبعضهم تجده شديداً، والشرع وسط في التعامل، تعطيها حقها وتكرمها، ولكن يجب أن تكون صاحب القرار في الأسرة، ولك الأمر فيها، لا يحدث شيء إلا بأمرك؛ لأنك صاحب الأسرة وربها ووليها.

هذا هو الرابع وهو دراسة سيرته صلى الله عليه وسلم، وأحسن ما ندل الناس عليه هو كتاب اسمه: مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه.

 ذكر الله تعالى
الخامس: ذكر الله.. فإن ذكر الله أعظم وسيلة من وسائل قوة الإيمان، وإن من أحب شيئاً أكثر ذكره، إن الذي يحب أي شيء ما يريد أن يذكر إلا هو، والذي لا يريد الشيء لا يريد ذكره، لو أن شخصاً تبغضه وتكرهه وذكره آخر ماذا ستقول؟ اسكت، اتركنا منه، لا تذكره لي، لكن إذا ذكر لك شيئاً تحبه سوف تقول: نعم، ماذا حدث؟ تريد منه أن يذكره، يقول الشاعر:

إذا مرضنا تداوينا بذكركم     ونترك الذكر أحياناً فننتكس

مجنون ليلى قيس بن الملوح كان يمشي في الصحراء وليس معه أحد في الليل الأسود، وليلى عند أهلها وهو لوحده في أرض وتجده يقول: ليلى ليلى ليلى، فيحس براحة عندما يذكرها لأنه يحبها.

وأنت أما تحب ربك؟!

إذا كنت تحب ربك فاذكره، ولهذا جاء في الحديث: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) والفرق بين المؤمن والمنافق الذكر؛ لأن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً، والمؤمن يقول الله فيه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].

ذكر الله -أيها الإخوة- من أعظم وسائل تقوية الإيمان؛ وذلك بالمحافظة عليه؛ بأن تتعلم أذكار الأحوال والمناسبات، وتشتري كتاباً وتحفظ أذكار الصباح والمساء، والنوم واليقظة، ودخول المنزل والخروج منه، والأكل بداءة ونهاية، ولبس الثوب ... كل شيء في حياتك له ذكر في السنة تحفظه وتتعلمه وتحافظ عليه؛ لأن هذا يزيد إيمانك بالله، ويجعلك دائماً مع الله، يقول الله في حديث قدسي: (وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).

 التفكر والتأمل في مخلوقات الله
السادس من وسائل تقوية الإيمان: النظر والتدبر والتأمل في مخلوقات الله في الكون.

فإنك بها تزداد إيماناً، كما قال عز وجل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:6-8]. التأمل في مخلوقات الله في الكون يؤسس ويقوي الإيمان؛ لأنك ترى عظمة الله في مخلوقاته، ولو فكرت في جزئياتك أنت أيها الإنسان في نفسك وما أودع الله فيك من الآيات؛ لرأيت العجب في كل ذرة من ذراتك أو خلية من خلاياك .. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21].

 الحرص على الطاعات
السابع من وسائل تقوية الإيمان: الحرص والاجتهاد في طاعة الله.. لأنه وكما قلنا: إن الإيمان يزيد بالطاعات، فالطاعات زاد، اجعل نفسك الأول دائماً، في الصلاة الأول من حين يؤذن وأنت في الصف الأول، وفي الدروس العلمية فاجعل نفسك الأول، والزكاة إذا كان لديك مال فكن الأول، والحج والعمرة إذا أتيح لك فكن الأول، والصوم كذلك، كل عمل صالح تجد أن فيه إيماناً سارع إليه، من أجل أن يزيد إيمانك، فهذا من أعظم الوسائل.

 الحذر من المعاصي والذنوب
الثامن من وسائل تقوية الإيمان: الحذر من جميع الذنوب والمعاصي؛ لأنها تحرق الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، فإذا سمعت أغنية نقص إيمانك شئت أم أبيت، وإذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك نقص إيمانك، وملأ الله عينيك ناراً يوم القيامة: (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) إذا تكلمت بالغيبة والنميمة نقص إيمانك، إذا وقع الشخص في الزنا -أعاذنا الله وإياكم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)- ينسلخ من الإيمان، وإذا تاب ونزع يرجع.

فاحذر ثم احذر من المعاصي، وأبواب المعاصي سبعة: العين لا تنظر بها إلى الحرام، والأذن لا تسمع بها الأغاني والحرام، واللسان لا تتكلم به في الحرام، واليد لا تمدها على حرام، والرجْل لا تمشي بها في حرام، والبطن لا تدخل فيها حراماً من دخان أو جراك أو خمر أو حشيش أو مخدرات أو ربا أو أي حرام، فإن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، والجنة دار الطيبين، فلا تكن خبيثاً، بعض الناس -والعياذ بالله- يعيش على الخبث ويشمه ويأكله، وأيضاً يوقع نفسه في الخبث!

بعد ذلك فرجك لا تطأ به إلا الحلال؛ لأن الحرام ليس لك، أنت مسلم مؤمن والله يقول لك: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32]، (ومن زنا بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) .. (وما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له) .. (والذي نفس محمد بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) .. (والذي نفس محمد بيده إن فروج الزناة والزواني لتشتعل عليهم ناراً يوم القيامة) تتحول فروج الزناة والزواني إلى براكين من نار تشتعل من أجل لذة محرمة، فلا تفعل .. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] ولم يقل الله: لا تزنوا، بل قال: لا تقربوا، أي: كل ما يوصل إلى الزنا لا تقترب منه، فلا تنظر؛ لأن النظر بريد الزنا، ولا تسمع الغناء؛ لأن الغناء رقية الزنا، ولا تتكلم مع النساء؛ لأن الكلام مع النساء في الباطل .. أولاً: لا يجوز للمرأة أن تكلم الأجنبي إلا عند الضرورة، وإذا تكلمت عند الضرورة فبصوت معروف، يقول الله: وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32] ولا تخضع في العبارة، لأن الله يقول: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] لأن بعض النساء صوتها يفتن أكثر من مظهرها.

والأذن تعشق قبل العين أحياناً

فإذا جاءت مكالمة وأنت في البيت فرد أنت، لكن بعضهم جالس وتجده يقول: ردي يا امرأة! وأنت يا كرتون ماذا تعمل؟! تجعل الرجال يتحدثون مع امرأتك، تكلمهم امرأتك وأنت قاعد! فترد المرأة، فإذا ردت: (ألو) فلان، وقالت: لحظة، فهذه طعنة؛ لأن الرجل يتأثر بالصوت يا إخواني! فلا ترد امرأتك أبداً وأنت موجود وإنما ترد أنت، وإذا كنت غير موجود فيرد الولد الصغير، الولد غير موجود ترد الطفلة، لا يوجد أحد في البيت إلا المرأة فترد؛ لأن بعض الرجال يقول: لا تردي أبداً، لا، ليس هناك شيء، لأن الله يقول: وَقُلْنَ [الأحزاب:32] أمر الله أن تقول لكن ترد بالمعروف: من؟ السلام عليكم، وعليكم السلام، فلان موجود؟ لا، أين ذهب؟ لا أدري، انتهى، ماذا سيقول ذاك الذي يسمع الصوت، سيقول: الله أكبر عليها لكن إذا ردت وقالت له: من؟ وأين ذهب؟ وغير موجود، ومن أنت؟ ومن تكون؟ وفتحت تحقيقاً صحفياً، وجاء الشيطان إليه وقال: انظر الناس الطيبين، انظر المرأة الممتازة، انظر الزوجة، ويمكن أن زوجها مسكين يراها طيبة لكن صوتها ضعيف، يمكن صوتها مثل (شكمان المرسديس)، فإذا سمع صوتاً لهذه وصوتاً لتلك فهذه فتنه الشيطان.

أجل. لا تخضع المرأة في القول، تحفظ لسانها إلا بالمعروف، فالله حرم الزنا وحرم كل شيء يوصل إليه، حرم الزنا وحرم التبرج، فما هو التبرج؟ هو أن تحمل المرأة زينة وتتبرج بها أمام الناس من أجل أن تلفت أنظارهم، إما في لباس، أو كحول، أو ذهب، أو عطر، أو حذاء عالٍ، أو شعر، أو غطاء خفيف، أو برقع، تطعن بعيونها في عيون الناس -والعياذ بالله- وتقول: أنا متحجبة، ليس هذا حجاباً وإنما هذا كذب، الحجاب أن يحجب كل شيء، أما أن تغطي بعضاً وتبدي عينيك فإن أجمل ما في المرأة عيناها، ولو كشفت وجهها لكان أسهل في الأثر من كشف عينيها، والشعراء لم يتغنوا إلا بالعيون، لم يتغنوا بالخشم أو بالأذن، يقول أحدهم:

إن العيون التي في طرفها حور     قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

والناس يقولون: والله إن عيونها تذبح، نعم، والشاعر الغنائي يقول:

عيونك قطعت قلبي     كما حبحب على السكين

صدق! لماذا قطعت قلبك؟ لأنك نظرت إليها، والله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] وأنت إذا رأيت إلى المرأة نظرت بعيونك وتعصي ربك، ربك يقول لك: غض وأنت تفتح .. (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) والمرأة التي تخرج من أجل أن تلفت الناس إليها ما من عين تنظر إليها إلا سمرها الله بكل نظرة مسماراً من النار، فأكثري أو أقلي أيتها المرأة، بعض النساء تخرج وهي سليمة وترجع وهي ملغمة مسامير من كل جهة. فيها بقدر ما نظر الناس إليها، ولذا المؤمنة لا تخرج أبداً، وكانوا في الماضي يقولون: المؤمنة لها خروجان: الخروج الأول إلى بيت أبيها أو إلى بيت زوجها، والخروج الثاني إلى قبرها، واليوم لها في كل يوم عشرون خروجاً، حتى إن بعض النساء تجعل عبايتها عند الباب كل لحظة وهي تريد أن نخرج، وإذا قيل لها: اجلسي، قالت: يضيق صدري .. يضيق صدرها من البيت، ويتوسع صدرها في الشارع! ويتوسع صدرها في الحديقة والمعارض والأسواق؛ لأنها تنظر وتتمشى، وتبيع عرضها وعرض أبيها وعرض زوجها، أما المؤمنة فيضيق صدرها في السوق وفي كل مكان، ولا ينشرح صدرها إلا في بيتها وسترها وعرشها ومملكتها، والله يقول: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] لم يقل: اجلسن، بل قرن، والقرار هو الجلوس مع عدم القيام، مثل الجبل المستقر الذي لا يتزحزح من مكانه، قال الله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] فلابد -أيها الإخوة- أن نحذر المعاصي ونحذر الوقوع فيها.

 الحرص على الرفقة الصالحة
التاسع: أن تحرص على رفقة صالحة وأهل خير.

ابحث في جيرانك وزملائك في المدرسة أو العمل عن الشباب والرجال الصالحين وترتبط معهم في علاقة، وتجلس أنت وهم تزورهم ويزورونك، تذكرهم ويذكرونك، وتستأنس بهم، وتعاونهم ويعاونونك على طاعة الله؛ لأن الطريق طويل ولا بد من الرفيق، والله عز وجل عندما بعث موسى ماذا قال موسى؟ قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:29-32] لماذا؟ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً [طه:33-35].

 الحذر من قرناء السوء
والأخير: احذر من قرناء السوء.

قرين السوء من الزملاء، أو الجيران، أو الأقارب، أو الأنساب، إذا كان فاسقاً، قليل دين، قاطع صلاة، يشرب الخمر، يزني، خبيثاً، فاحذره وانزع يدك منه، وإذا رأيته في طريق فاذهب من طريق أخرى، ولا تقل: هو ولد عمي، أو ولد أخي، أو جاري، لا، هذا يحمل مرضاً، ما رأيك إذا كان هناك شخص قريب لك وفيه داء (الكوليرا) أو (الإيدز) أو الطاعون أو (السل) هل تجلس معه؟ بل تهرب منه، فاعلم أن هذا أخطر منه، هذا عنده مرض في عقيدته وأخلاقه وإيمانه، انزع يدك منه، ولا تقل: أنا سوف أذهب معه من أجل أن أهديه، أنت لا تزال في طور لا يسمح لك بمصاحبته، حتى تصير داعية وعالماً، حينها يمكنك أن تدعو هذا الشخص وغيره إلى الله، لكن أخاف أن تدعوه ثم يدعوك هو، وقد تصير مثله.

هذه -أيها الإخوة- وسائل العلم العشرة التي -إن شاء الله- إن عملت بها وحققتها زاد إيمانك، وحصل لك اليقين، وتحصلت على السعادة في الدنيا والآخرة.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، وتوفيقاً وهداية لهذا الدين.

اللهم إنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم! يا فارج الهم! يا كاشف الغم! يا أرحم الراحمين! فرج كرب إخواننا في الشيشان، اللهم فرج كربهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم الروس، اللهم أنزل عليهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد فإنهم لا يعجزونك.

اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت غالب لا تغلب، لك جنود السماوات والأرض، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تنزل نصرك المبين على إخواننا.

يا من أمرت الحوت يلفظ يونساً     وسترته بشجيرة اليقطين

يا من أحلت النار حول خليله     روحاً وريحاناً بقولك كوني

يا رب إن السيل قد بلغ الزبا     والأمر في كاف لديك ونون

باسم الفراخ الزغب يحنو جناحهم     فقدوا الأب الحاني بغير منون

بصراخ أم فجعوها بابنها     لم يرحموها وهي كالعرجون

يا رب إنا مثلهم في كربة     فارحم عباداً كلهم ذو النون

هذا الدعاء أيها الإخوة! ويتبع الدعاء شيء وهو المال، الله أمر بالجهاد بالمال والنفس فقال: وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [التوبة:20].

إخوانكم يريدون منكم الدعاء والمال، إنهم يعيشون ضائقة لم يعرف لها مثيل عبر التاريخ البشري، واليوم نشرت صور الإجرام الذي لا يعرفه البشر أبداً، ولا يمكن أن يتصور العقل؛ رأينا فيها حرقاً للأرض، وتدميراً للبيوت، وقتلاً للنساء، واستباحة للأعراض، وهم يعيشون الآن -نساء وأطفالاً وعجائز وكباراً وشباباً- في (أنقوشيا ) في خيام يحوطها الثلج، نحن بردنا في الرياض كم يوم، وكل شخص عنده ثياب وشملة وعباءة ودفاية ومكيف، ومع ذلك يقول: والله أحس ببرد، ودرجة الحرارة ستة أو سبعة، هؤلاء عندهم أربعون تحت الصفر، ولا يوجد معهم لا ثلاجة، ولا غسالة، ولا ماء، ولا أكل، ولا دواء، ولا بيت، والنار والطائرات والمدمرات تقتلهم، وما هو ذنبهم يا إخواني؟ ليس إلا لأنهم يقولون: لا إله إلا الله.

إنهم إخوانكم في العقيدة، أنتم تقولون (لا إله إلا الله) وهم يقولون (لا إله إلا الله)، أين نجدة الإيمان يا إخواني؟! أين نصرة الإيمان؟! لا يريدون رجالاً هم يريدون مالاً ودعاء، رجالهم كثير لكن يريدون مالاً يشترون به طعاماً لهم ولنسائهم وأطفالهم، ويشترون به سلاحاً من أعدائهم ليدمروهم به، ولا تتصوروا أن كل ما تسمعون صحيحاً، إخوانكم أسود، وهم قد باعوا أنفسهم من الله، إما إسلام ونصر وإما موت، وقد أقسموا ولبسوا أكفانهم، لكن تأخر النصر لتأخر الدعاء والدعم منكم.

أيها الإخوة: على الأبواب مؤسسة الحرمين والندوة العالمية للشباب؛ وهما مؤسستان إسلاميتان موثوقٌ فيهما وفي القائمين عليهما، يقومان بأخذ الأموال منكم وإيصالها لإخوانكم، يقول أحد المسئولين في مؤسسة الحرمين: أحياناً نوصل الإعانة في نفس الليلة، كيف ستوصلها أنت؟ هل تستطيع أن توصلها؟ لا تستطيع، لكن هم يأخذونها منك وبالهاتف لهم مكاتب هناك.

فادفعوا وتبرعوا هذه الليلة لإخوانكم، إخوانكم يستضيفونكم هذه الليلة، لو جاءك أربعة من الشيشان وأنت ذاهب إلى بيتك، ودقوا عليك الباب وقالوا: نحن من الشيشان جائعون نريد عشاءً، هل تطعمهم أم لا؟ تطعمهم لو تقطع من جلدك لهم، الآن أنا باسمهم أقول: إخوانكم ضيوفكم هذه الليلة، عشوا إخوانكم واملئوا الصناديق، أسأل الله أن يفتح عليكم، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يحفظ لنا في هذه البلاد ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا، وشبابنا وشاباتنا، وذكورنا ونسائنا لما يحبه ويرضاه، وأختم بهذا.

وانظروا الأسئلة عندي فهي كثيرة، لكن نريد لها شهراً، فأنا أكتفي بما حصل وأعتذر عن الإجابة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More