07/01/2013

الخميس، 29 أكتوبر 2015

تفسير آيات الصوم



بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير آيات الصوم

قال الله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}.


قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا} للمريض أحوال: الحالة الأولى: أن لا يستطيع الصوم، فهذا يجب عليه الفطر. الحالة الثانية: أن يستطيع لكن بمشقة، فهذا يستحب له الفطر. الحالة الثالثة: أن يكون مريضا، ويصدق عليه اسم المريض، لكن لا يشق عليه الصوم، فهذا له الرخصة في الفطر للإذن بالفطر بالمرض، ولم يفرق الشرع بين مرض ومرض، كما لم يفرق بين سفر وسفر، وعلى ذلك فكل ما صح أن يطلق عليه مرض فيجوز الفطر لأجله، وهذا هو مذهب عطاء ومحمد بن سيرين والبخاري وإليه مال القرطبي صاحب التفسير.
وقوله تعالى: { أو على سفر}.. ليس للسفر مسافة محددة، وأقل ما ورد في الأثر تسميته سفرا بريد عند مسلم، والراجح أن السفر إنما يكون سفرا يصح به قصر الصلاة والفطر في رمضان بثلاثة أمور: الأول: النية، فمن خرج عن المدينة وسار لا يقصد سفرا فليس بمسافر حتى ولو قطع مئات الأميال. الثاني: أن يخرج عن البنيان حتى يباعدها. الثالث: أن يعد خروجه عن المدينة في عرف الناس سفرا، فالعرف هنا معتبر شرعا.
فإذا تحققت هذه الشروط فيجوز للمسافر أن يقصر الصلاة وأن يفطر رمضان. 
لكن متى يفطر من أراد السفر؟. اختلف العلماء في ذلك، فذهب أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري والحسن البصري إلى جواز الفطر قبل الخروج من المدينة، ولو كان في البيت، ما دام قد عزم على السفر.
وذهب الإمام أحمد إلى تأخير الفطر حتى يبرز عن البيوت ويخرج عن المدينة، وذلك أنه ربما يعرض له شيء يمنعه من السفر، فلو كان أفطر قبل أن يخرج لفسد صومه ولزمه القضاء، ومذهب الإمام أحمد أسلم، وإن كان مذهب الصحابة أولى.
ولا يقال الصوم في السفر أفضل من الفطر أو العكس هكذا بإطلاق، بل فيه تفصيل، فإن كان يشق عليه الصوم فالفطر أفضل، وإن كان لا يشق عليه فالصوم أفضل، ولا ينكر على الصائم ولا على المفطر، قال أنس:
( سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) متفق عليه.
قوله تعالى: { فعدة من أيام أخر}.. أي من مرض أو سافر فأفطر فعليه القضاء أياما أخر تعدل ما فطر، وهو مخير في وقت قضائها، فلا يجب متتابعا ولا في زمن معين، بل هو واجب موسع على التخيير يجوز مفرقا، قال ابن عباس لمن سأله عن قضاء رمضان:
"صمه كيف شئت".
والقرآن لم يحدد القضاء بزمن ولا أمر بتتابع القضاء، قالت عائشة:
"يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم " متفق عليه.
فإن أدركه رمضان الآخر ولم يقض رمضان الأول فلا يخلو إما أن يكون صحيحا أو مريضا:
فإن كان صحيحا فعليه القضاء والإطعام عن كل يوم مسكينا..
وإن كان مريضا فليس عليه إلا الإطعام كما قضى بذلك الصحابة..
روى الدارقطني عن ابن عمر فيمن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان الآخر أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة ثم ليس عليه قضاء..
وروي عن أبي هريرة أنه قال:
" إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه"إسناده صحيح.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: مرضت رمضانين؟، فقال له: استمر بك مرضك أو صححت بينهما؟، فقال: بل صححت، قال: صم رمضانين، وأطعم ستين مسكينا..
وهذا يدل على أنه لو تمادى به المرض لا قضاء عليه، وهذا مذهبه في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما..
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المريض إذا لم يقض حتى أدركه رمضان الآخر أن عليه القضاء. 
والجمهور على أن: من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته ذلك، أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه..
وأما إن مات وعليه صوم رمضان لم يقضه، فالمختار من الأقوال في القضاء عن الميت أنه لا يقضى عنه إلا النذر في الصوم، لأن الأحاديث المبيحة للنيابة في الصوم مفسرة بما كان نذرا..
وأما الفرض فلا يصوم أحد عن أحد، لأنها فريضة، والعبد إذا فعل ما بوسعه فلم يتمكن من الإتمام أو القيام بالصوم لعلة فمات فلا يؤاخذ بذلك، ولا يلزم وليه بالقيام عنه بالعبادة، لأنه لم يكن مفرطا، وهذا بخلاف الناذر، فإن الله تعالى لم يفرض عليه نذرا، لكنه هو الذي أوجب على نفسه فوجب عليه القضاء حيا بنفسه أو ميتا بوليه، يدل على ذلك تشبيه قضاء النذر بقضاء الدين، كما في حديث ابن عباس:
جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟، قال:
(أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟، قالت: نعم، فصومي عن أمك)رواه مسلم
فالدين ليس فريضة لكن العبد هو الذي يلزم نفسه به إذا استدان من أحد، فيجب عليه القضاء، ويبقى دينا في عنقه حتى بعد مماته، ولذا كان لوليه أن يقضي عنه إحسانا إليه، لأن الميت مؤاخذ به، وكذا النذر، فالناذر مؤاخذ به لأنه ألزم نفسه به، وهذا بخلاف صيام الفرض إذا مات الإنسان وعليه أيام لم يقضها وهو غير مفرط، وتخصيص قضاء الصوم بصيام النذر قول أحمد وإسحاق وأبي ثور والليث وأبي عبيد.
قوله: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون}. ينحصر الكلام هنا في عود الضمير في {يطيقونه}:
إما أن يعود إلى الصيام، وإما أن يعود إلى الفدية..
فإن عاد على الصيام فالمعنى:
وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا أن يطعموا.. فيكون في الآية حذف، ويفهم من ذلك أن من لا يطيق الصوم إذا أفطر أنه لا إطعام عليه.. 
وأما إن عاد على الفدية فالمعنى: من كان يطيق الفدية فله ترك الصوم والتعوض بالفدية، وهكذا كان الأمر في أول ما شرع الصوم، كان على التخيير، من أراد صام، ومن أراد أطعم، ثم رغب في الصوم بقوله: { وأن تصوموا خير لكم}، ثم نسخ الحكم بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فزالت هذه الرخصة إلا عن العجزة كالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أن يفطرا ويطعما، هكذا قال ابن عباس، وفسر قوله: { يطيقونه}، بيطوقونه، أي يتكلفونه بمشقة، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وذهب غيره من العلماء إلى أن المرضع والحامل إذا خافتا على أولادهما أن يفطرا ويطعما ويقضيا..
ومقدار الإطعام نصف صاع من قوت البلد، عن كل يوم مسكينا.
يقول الله تعالى:
{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}. 

قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.. أي من شهد رمضان عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه، فإن أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الامساك ذلك اليوم، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي أو أسلم الكافر.
ذهب مطرف بن عبد الله وابن قتيبة إلى جواز التعويل على الحساب في صوم رمضان، وذهب الجمهور إلى منع ذلك، واستدلوا بحديث: ( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)، فعلق الصوم بالرؤية لا بالحساب، وقد كان الحساب موجودا في ذلك العهد، فإهماله وعدم الاعتداد به يدل على عدم مشروعية الاعتماد عليه، وقد روى نافع عن مالك في الإمام الذي لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر بالحساب: أنه لا يقتدى به ولا يتبع، قال ابن العربي:
" وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب، وهي عثرة "لا لعاً لها".
والبلدان تتباعد وتتقارب، والمطالع تختلف تبعا لذلك، فإن تقاربت البلدان فيجوز لأهل بلد أن يأخذوا برؤية أهل البلدان القريبة، وإن تباعدت فلكل أهل بلد رؤيتهم، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة والقاسم وسالم وإسحاق وإليه أشار البخاري حيث بوب: " لأهل كل بلد رؤيتهم"، وحكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، إلا في حالة ما إذا كان الإمام لكل تلك البلدان واحد، كما كان في عهد الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية البلاد ممتدة شرقا وغربا والبلدان متباعدة، فأمرهم أن يأخذوا برؤية أهل بلد واحد فلا تجوز مخالفته.
قوله:
{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك الحدود فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.

قوله: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}.. 

كان محرما عليهم الجماع والطعام لمن نام قبل أن يأكل في ليله حتى مغرب اليوم التالي قال البراء:
" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟، قالت: لا، ولكن أنطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية" رواه البخاري..
ونزلت: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}، والتبين هنا معناه التوثق والتأكد، وعلى ذلك فيجوز للإنسان أن يأكل ما دام يظن الليل باقيا، حتى إذا تيقن بزوغ الفجر حرم عليه..
وهناك مذهب ثان في المسألة أن الإمساك لا يجب إلا إذا انتشر الفجر في الطرقات والبيوت، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وحذيفة وطلق بن علي وعطاء والأعمش أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال..
ولعل مما يضعف هذا القول أن تبييت النية بالصيام إنما يكون قبل الفجر، ولو كان الإمساك لا يجب إلا بعد انتشار الفجر لكان القول بجواز عقد النية بالصوم بعد طلوع الفجر حريا بالقبول، ولا قائل به، والذي يبدو أن الصحابة قصدوا التيقن كذلك، ورأوا أدل دليل على طلوع الفجر وثبوته انتشار ضوئه، ومن ثم حكموا بأنه وقت الإمساك، وإلا لو تيقن الإنسان بطلوع الفجر ولو لم ير انتشاره كمثل أن يخبره صادق بذلك أو يكون في البر فيرى بياض الليل فيجب عليه الإمساك للآية:
{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.
ويجب على الصائم أن يجتنب في صومه الطعام والشراب والجماع، فهذه مفطرات، وكل له حكمه، أما مقدمات الجماع كالقبلة والمباشرة واللمس فليس فيها بأس لمن أمن على نفسه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم كما روى البخاري عن عائشة، لكن إن قبل أو لمس أو نظر فأمنى فعليه القضاء، وإن أمذى ففيه خلاف، فابن عبد البر لا يرى عليه شيء، وأحمد يرى عليه القضاء، وإن جامع فعليه عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينا..
ونهاية الصوم يكون اغروب الشمس، ولا يجوز تأخير الفطر إلى ما بعد الغروب فإن من فعل ذلك شابه اليهود، قال عليه الصلاة والسلام:
(لاتزال أمتي بخير ما لم تنتظر بفطرها النجوم).
فهذه جملة من أحكام الصوم والله أعلم وصلى الله عليه نبينا محمد..
انظر: تفسير القرطبي

صــوم الصبيـان؟



صــوم  الصبيـان؟


قال تعالى في كتابه الحكيم : ] يا أيها الذين آمنوا قـوا انفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ..... [ الأية ـ التحريم ـ6ـ
فالوالدان مسؤولان أمام الله عزوجل عن تربية أولادهما على الإسلام ، وللتربية الإسلامية  أصول ينبغي على الوالدين المسلمين الانتباه إليها، وعلى الباحثين والكتاب ومؤسسات النشر والدعوة إيصال هذه الأصول إلى كل أب وأم مسلمين .

ومن الملاحظ أن التربية الإسلامية تعطي التدريب على العبادات أهمية بالغة ، فالصلاة التي تفرض على المسلم والمسلمة عند البلوغ ؛ أمرنا رسول الله r أن ندربهم عليها منذ السابعة ، أي قبل البلوغ بمدة طويلة قد تصل إلى (5ـ7) سنوات .  يقول الشيخ محمد قطب في كتابه منهج التربية الإسلامية: ((ومن وسائل التربية : التربية بالعادة أي تعويد الطفل على أشياء معينة حنى تصبح عادة ذاتية لـه . ومن أبرز الأمثلة شعائر العبادة وفي مقدمتها الصلاة .... وتكوين العادة في الصغر أسهل بكثير من تكوينها في الكبر ، ذلك أن الجهاز العصبي الغض أكثر قابلية للتشكيل ..... وقد اختص حديث رسول الله r الصلاة بهذا الأمر ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع ... ) لأن الصلا ة عنوان الإسلام ، ولكن جميع آداب الإسلام وأوامره سائرة على هذا النهج ، فكلها تحتاج إلى تعويد مبكر . )).

وقد عنون الإمام البخاري يرحمه اللـه باباً في صحيحه اسمه باب صوم الصبيان وأورد حديث عمر t حيث قال لنشوان في رمضان ( ويبدو أنه كان مفطـراً ) ويلـك وصبيـاننــا صيام فضربه ، وعلق الحافظ ابن حجر في الفتح فقال : (... واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم (الصبيان) يؤمرون به (بالصوم) للتمرين عليه إذا أطاقوه وحده بالسبع والعشـــر كالصلاة . وحده إســـحق باثنتي عشرة سنة ، وأحمد في رواية بعشر سنين ، وقال الأوزاعي  إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعف فيهن حمل على الصوم ، وأغرب ابن الماجشون من المالكية فقال إذا طاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء [ فتح الباري 5/3 ] .

وأخرج البخاري ومسلم عن الربيع بنت معوذ قالت أرسل رسول اللـه r غداة عاشـــوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة (( من كان أصبح صائماً فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه )) فكنا بعد ذلك نصومه ، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء اللـه ، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن ( الصوف ) فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها ذلك حتى يكون عند الإفطار([1])، وعلق الحافظ ابن حجر فقال وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام ، لأن من كان مثل السن الذي ذكر في هذا الحديث فهو غير مكلف . وإنما صنع ذلك للتمرين .

وأخرج ابن أبي الدنيا يرحمه اللـه قال حدثنا إسحق بن إسماعيل، حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه أنه : كان يأمر بنيه بالصيام إذا أطاقوه ، وبالصلاة إذا عقلوا [ العيال1/47 ] ، ومن المفيد ذكره أن المصنف ( ابن أبي الدنيا ) يرحمه اللـه قال باب تعليم الصبيان الصلاة ، ثم روى تحت هذا الباب أحاديث للصلاة وأحاديث للصوم ، وكأنــه ربط تعليــم الصوم بتعليم الصلاة ، وهذا هو الصحيح  واللـه أعلم .

وفي المذهب الشافعي  ( ويؤمر به الصبي لسبع ويضرب لعشر)([2]). وفي المذهب الحنبلي (ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وعلى ولي صغير مطيق أمره به ، وضربه عليه ليعتاده ) [ الروض المربع 1/415 ] .

ومـرة أخرى كما لاحظنا عند الأمر بالصلاة ، نجد أن الصبي يؤمر بالصوم قبل أن يفرض عليه ، من أجل التمرين والتدريب وتكوين العادة ، كما نلاحظ مـدة التدريب الطويلة كما في الصلاة من أجل التعود على الفريضة قبل أن تفرض . ومن الملاحظ تعجب غير المسلمين من إمساك المسلم نهاراً كاملاً عن الطعام والشراب ، ويظنون ذلك صعباً جداً لأنهم لم يعتادوه منذ الصغر .

ولا بأس في تدريب الصغار عـلى الصوم ــ إن كان اليوم طويلاً وحاراً ـ بأن يتسحر الطفل مع أسـرته ثم يمسـك حتى الظهر ، فتعطى لـه وجبـة ، ثم يمسـك بعدها حتى الإفطار ، ويسـمونه في الشـام ( درجات المئذنة ) ، وهذا لأطفال ماقبل السابعة إن وجدت عندهم الرغبة في الصوم وتقليد الكبار ، والهدف منه هو التدريب على الإمساك  والامتناع عن الطعام والشراب مدة محددة .  

نسأل الله عزوجل أن يهدينا والمسلمين إلى أفضل الطرق التي نربي بها أولادنا على الإسلام ، من أجل جيل مسلم يردنا إلى تحكيم شريعة الله عزوجل في حياتنا كلها ، والله على كل شيء قدير . والحمد لله رب العالمين .

الدكتور : خالد الأحمد  
باحث في التربية االسياسية  

--------------------------------------------------
[1] - صحيح البخاري في الصوم (1960) باب صوم الصبيان ، ومسلم (1136) باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه 
[2] - أحمد بن النقيب المصري ، عمدة السالك وعدة الناسك ، طبع الشئون الدينية بقطر ، 1982م .

منافع الصيام


منافع الصيام

الصيام فريضة عظيمة وركن من أركان الإسلام قال صلى الله عليه وسلم:((بني الإٍسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان)).
وقد فرضه الله علينا كما فرضه على من قبلنا فقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
والصيام من العبادات التي قد تشق على النفس لما فيه من ترك ملاذ النفس من طعام وشهوة وانتصار للنفس، وقد فرضه الله بصيغة الكتب التي هي من آكد صيغ الفرض والتي كثيرا تفرض بها ما فيه مشقة على النفس كالقتال والقصاص قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (فهونه بما جعل فيه من الخيرية وأوكل علم ذلك إليه)، وقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد) وهون ذلك بقوله:(ولكم في القصاص حياة) فبين حكمته وما جعل فيه من حقن الدماء ولما فرض الصيام بصيغة الكتب وهون أمره بمهونات كثيرة منها:
1ـ أنه كتبه على من قبلنا فلسنا فيه بدعا من الأمم فقال:(كما كتب على الذين من قبلكم) والأمر إذا عم هان على النفس.
2ـ أنه جعله سبيلا لتحصيل التقوى فقال:(لعلكم تتقون) ومن حصل التقوى حصل الخير كله فالتقوى: هي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى:(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) وهي التي لا يتقبل الله إلا من أهلها قال تعالى:(إنما يتقبل الله من المتقين).
ولهم أعدت الجنة وما فيها:(إن المتقين في جنات النعيم) ، (إن المتقين في جنات ونهر).
3ـ أنه جعله أياما معدودات فقال:(أياما معدودات) وهي المفسرة بشهر رمضان فهو شهر واحد من سنة كاملة لم يكتب الله عليك غيره وما كان معدوداً محصوراً يهون على النفس ألا ترى أنك لو قلت لمن تعاقبه سأجنبك شهرا كان أهون على النفس من وعيد مطلق فإن المحدد أهون على النفس من المطلق.
4ـ أنه أسقطه عن المريض حتى يبرأ وعن المسافر حتى يؤوب (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).
5ـ أنه جعل له بدلا على من شق عليه مشقة لا يترقب زوالها كالمريض مرضا مزمنا لا يرجى برؤوه والشيخ الهرم فقال:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) على من يرى أن الآية محكمة في ذلك وهناك من يرى أنها منسوخة وأن ذلك كان للتخيير قبل أن يلزم الناس بشهر رمضان.
6ـ أنه جعل فيه الخيرية المطلقة فقال:(وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون).
7ـ أنه خص بفرضه شهرا عظيما شرفه من بين الشهور بهذه العبادة واختاره بأن جعله ظرفا لنزول أشرف كتاب على أشرف رسول لخير أمة فقال:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).
وشهر هذه منزلته حق له أن يخص وأن يهون على النفس ما خص به لعظيم مكانته.
8ـ التأكيد على سقوطه عن المريض حتى يبرأ والمسافر حتى يؤوب حيث جاء ذلك مكررا في هذا النص على إيجازه (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).
9ـ بيان أن هذا التكليف وذلك التخفيف إنما هو لإرادة اليسر لنا وتحقيق الهداية التي بها سعادتنا وذكر الله الذي به اطمئناننا فقال:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم).
10ـ أنه سبيل لتحقيق شكر الله على ما أنعم به علينا من إنزال القرآن وإكمال الدين (ولعلكم تشكرون).
11ـ أنه هونه بما جعل فيه من المنافع الدنيوية والأخروية.

فمن المنافع الأخروية للصيام:ـ
1) تحقيق التقوى التي لا يعلم ثواب أصحابها إلا الله وحده فهم الذين يتقبل الله منهم:(إنما يتقبل الله من المتقين) وهم الموعودون بالجنة وما فيها من نعيم لا يعلم كنهه إلا الله:(إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) والتي قال الله عنها:(فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم في خالدون).
وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
فمن حقق التقوى نال الخير كله في الدنيا والآخرة والصوم من أهم وسائل تحقيق التقوى ولهذا قال تعالى في تعليل الأمر به:(لعلكم تتقون).
2) محو الذنوب والآثام قال صلى الله عليه وسلم:(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ومن غفرت ذنوبه ومحيت آثامه عظم أجره عند ربه ودخل جنة ربه بلا عقاب لمحو آثامه وغفران سيئاته.
3) الثواب الجزيل الذي لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى ففي الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)).
4) دخول الجنة من باب خاص بالصائمين لا يدخل منه غيرهم ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إن في الجنة بابا يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون: فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق لم يدخل منه أحد)) متفق عليه.
5) الصيام سبب للمباعدة من النار ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا)) متفق عليه.
وفي رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين)) متفق عليه.
6) الفرح بلقاء الله وثواب الصوم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه)) متفق عليه.
ولا يفرح بصومه حينئذ إلا لفرحه بعظيم ما أعد الله له من الجزاء العظيم.

وأما المنافع الدنيوية للصيام فهي منافع عظيمة ذات محاور متعددة منها :
الصحي، والنفسي، والاجتماعي، والعسكري.
أولا : المنافع الصحية : للصيام فوائد صحية العلاجية والوقائية:ـ 
ومن تلك الفوائد العظيمة التي أثبتتها الدراسات العلمية : 
1) أن الصيام من أهم سبل الوقاية من أمراض السمنة وأخطارها المترتبة عليها كالسكر وضغط الدم وبعض أنواع العقم.
2) الصيام يقي الجسم من كثير من الزيادات الضارة مثل: الحصوة، والرواسب الكلسية والزوائد اللحمية والأكياس الدهنية والأورام في بداية تكونها.
3) الصيام وقاية بإذن الله من مرض النقرس الذي تسببه زيادة التغذية والإكثار من اللحوم.
4) الصيام وقاية بإذن الله من تصلب الشرايين وانسدادها لأن الصوم ينقص مستوى الدهون في الجسم مما ينقص مستوى مادة الكولسترول وهي المادة التي تترسب بزيادة معدلاتها لتكون انسداد الشرايين وتصلبها كما تسبب تجلط الدم في شرايين القلب والمخ.
5) الصيام يقي الجسم بإذن الله من تكون حصيات الكلى إذ يرفع الصيام معدل الصوديوم في الدم فيمنع تبلور أملاح الكالسيوم المسببة للحصى.
6) الصيام يقوي جهاز المناعة فيقي الجسم بإذن الله من أمراض كثيرة ففي الصيام:
أ‌) يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف ما كانت عليه.
ب‌) وفي الصيام تزداد نسبة الخلايا المسؤولة عن المناعة.
ت‌) وفي الصيام ترتفع نسبة الأجسام المضادة للأمراض في الجسم فتنشط الردود المناعية الدفاعية.
7) الصيام يحسن مستوى الخصوبة لدى الرجال والنساء فيرتفع معدل احتمالات الإنجاب وقد قامت جامعة الملك عبدالعزيز بجدة بدراسة علمية أكدت ذلك وأثبتت أن أكثر حالات الحمل في المملكة بعد شهر رمضان.
8) الصيام يخلص الجسم ويقيه من أمراض السموم المتراكمة في خلاياه وبين أنسجته من جراء تناول الأطعمة كما يخلصه من بقايا سموم الأدوية.
9) الصيام يمكن الجهاز الهضمي من استراحة فسيولوجية مما يساعده على استعادة وتحسين أدائه.
10) الصوم يفتح الذهن ويقوي الإدراك.
11) الصيام يحسن أداء البنكرياس فقد ثبت علميا أن البنكرياس يتحسن أداؤه بمجرد عكس العادة الغذائية.
12) الصيام يهذب الغريزة الجنسية ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) ومن ثم فإنه يبعد الصائم عن الممارسات الجنسية الخاطئة وما يترتب عليها من أمراض جسدية ونفسية حتى إن عقلاء الغرب أصبحوا ينادون به للحد من جحيم الشهوة الجنسية وما جرته على مجتمعاتهم من أمراض جسدية ونفسية واجتماعية.
13) للصيام أثر في شفاء كثير من الأمراض بإذن الله فهو يفيد في علاج الأمراض الآتية:ـ
أـ الأمراض الناتجة عن السمنة كمرض تصلب الشرايين وضغط الدم وبعض أمراض السكر.
ب ـ بعض أمراض الدورة الدموية مثل مرض (الريتود).
ج ـ الصيام يساعد على شفاء مرض المفاصل (الروماتيود).
دـ الصيام يفيد في علاج قرحة المعدة وبعض حالات السكر.

• ثانيا: المنافع النفسية (الصيام والصحة النفسية):
للصيام أثر عظيم على الصحة النفسية فهو أهم عوامل الاستقرار النفسي ويتجلى ذلك فيما يلي:
1ـ أن الصيام سبيل لتحقيق التقوى التي وعد الله أهلها بالسعادة في الدارين قال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) والمخرج الموعود به هنا عام في كل ما يهمه ويؤرق مضجعه، وضمن له الرزق فقال:(ويرزقه من حيث لا يحتسب) ومن كفي رزقه وهمه فلا تسل عن عظيم سعادته، وهل يقلقنا في الدنيا إلا هموم الرزق والحياة ومتاعبها، وكل ذلك ضمنه الله لمن حقق التقوى.
وقال تعالى:(ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) وهذا وعد آخر بتيسير الأمور كلها أمور الدنيا والآخرة وهو وعد لمن اتقى الله بأن ييسر له أمره كله، أمر عبادته وعلاقته بربه فيهبه حلاوة الإيمان ولذة العبادة وأمر أمور دنياه كلها أمر رزقه وعمله وشؤون خاصته وعامته.
وقال تعالى:(ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) وهذا وعد آخر له أثره في النفس واستقرارها وسعادتها فكم من ذنوب أقلقت صاحبها وحرمته لذة الحياة وسعادتها والأنس فيها وحجبت عنه التوفيق والتسديد فتراه مشتت الخاطر عكر المزاج قد أقلقته سيئاته وأقضت مضجعه وهذا وعد من الله لمن اتقاه بأنه يكفر عنه سيئاته وليس الوعد بالتكفير فحسب بل يعظم له أجره ويبدل سيئاته حسنات إن أحسن التوبة والرجوع إلى الله بصدق واتقى الله (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) ومن جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ويسر له أمره كله ورزقه من حيث لا يحتسب ووفقه لحسن عبادته والأنس بمناجاته فلا تسل عن سعادته وعظيم استقرار نفسه يؤكد ذلك ما قاله أحد العباد:(لو علم الملوك ما نحن فيه ـ يعني من السعادة ـ لجالدونا عليه بالسيوف).
2ـ الصيام سبيل لتخليص النفس من ثوران الشهوة ووسوستها وما يتبع ذلك من نظر يورث تعلقا محرما وربما يكون ذلك التعلق بما لا مطمع في دركه فيعود ذلك على المرء بالحسرة التي لا تفارقه أو فعل محرم يورثه الحسرة والندامة وربما الأمراض التي تورثه الشقاء الدنيوي قبل العذاب الأخروي ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)).
3ـ الصيام يقي الجسد بإذن الله من كثير من الأمراض ويشفي من كثير منها ـ كما تقدم في المحور الصحي ـ مما يعود على النفس بالراحة والسعادة الصحية وقديما قيل: العقل السليم في الجسم السليم. وقيل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
4ـ في الصيام حسن العلاقة بالله والشعور بقربه ومعيته فهو سبيل إلى تحقيق درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الإيمان قال تعالى في الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) فالصائم يمكنه أن يتوارى عن عيون الناس ويأكل ويشرب ويأتي شهوته ولكنه لا يفعل لعلمه باطلاع الله عليه وتلك مرتبة الإحسان التي عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
والشعور بمعية الله والأنس به أعلى مقامات سعادة النفس وطمأنينتها فلا تحزن لنزول مصاب لعلمها بأن الله مطلع عليه وما قدره إلا لخير يريده بها:((عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)).
5ـ الصوم يهذب النفس ويكسر سورتها مما يعود عليها بالهدوء والسكينة والراحة والطمأنينة يقول أبو حامدالغزالي ـ رحمه الله ـ : الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة في جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة، لأن الشبع يورث البلادة و يعمي القلب ويكثر الشجار فيبلد الذهن وقد اتخذته كثير من الفرق سبيلا لتهذيب النفس ولكنها ربما غالت في ذلك حتى ظلمت الجسد وللجسد حق كما للنفس حق ولكن ديننا دين الوسطية لزم الاعتدال في ذلك وأعطى كل ذي حق حقه.

• ثالثاً : المنافع الاجتماعية : (الصيام والمنافع الاجتماعية):ـ
وللصيام فوائد اجتماعية عظيمة تعود على الفرد والمجتمع بالمصالح الدنيوية والأخروية ومن تلك الفوائد والآثار الاجتماعية:ـ
1ـ أن الصيام سبيل لإيجاد الفرد الصالح:(لعلكم تتقون) وإذا وجد الفرد الصالح سعدت به الأمة وسعد هو بنفسه، فإن تقواه تقوده إلى أداء الحقوق والواجبات وتمنعه من التعدي على ما ليس له روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تولى قضاء المدينة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم جاء يستعفي من القضاء بعد سنة فقال له أبو بكر أردت نصرتك وتريد خذلاني أعينوني على هذا الأمر فقال عمر رضي الله عنه يا خليفة رسول الله: لم يتقاض إلي اثنان منذ أن توليت القضاء وإن أهل المدينة عرفوا ما لهم فأتوه وما ليس لهم فتركوه.
نعم إذا عرف كل ما له وما عليه ففيم الخصام والشجار والنفار؟ وما كثرت السجون وقوانين الردع وعسس الدولة وشرطها إلا حين ضعفت التقوى في القلوب وتعدى بعض الناس على ما ليس له وترك الواجب الذي عليه.
2ـ الصيام يحقق التقوى المأمور صاحبها بالإنفاق وإعانة ضعفاء المجتمع فالإنفاق صفة لا تتحقق التقوى بدونها قال تعالى:(ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) فإنفاق المرء مما رزقه الله سمة رئيسة من سمات التقوى وعلامة بارزة من علاماتها، والإنفاق هنا يعم الإنفاق من كل ما رزقه الله من مال وعلم وجاه وقوة بدنية وحرفة دنيوية.
3ـ بالصوم يعطش الغني ويجوع فيتذكر البطون الجائعة العطشى التي لم تعرف للشبع طعما ولا للري سبيلا فتحنو نفسه على الفقراء والجوعى فيبذل لهم من ماله وجهده ما يسد حاجتهم لأنه جرب ذلك وذاقه على حقيقته فلا يعرف قيمة العافية إلا من جرب الابتلاء وذاق طعم المرض والجوع والعطش والخوف بل لا تعرف حقائق هذه الأمور إلا بأضدادها ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:(ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث) فأمره بالإحسان إلى اليتيم بعد أن ذكره بيتمه ورعاية الله له في ذلك اليتم وأمره بالإحسان إلى الفقراء بعد أن ذكره بما كان فيه من العيلة وما أغناه به بعد ذلك، وأمره بالتحدث بنعمته إذ هداه للإيمان.
فلا يعرف حاجة اليتيم مثل من ذاق اليتم وعرف ما فيه من الحاجة الجسدية والنفسية وإن كانت الأخرى أهم لذلك قال تعالى:(فلا تقهر) والنهي عن القهر يعم الأمر بالإحسان المادي والمعنوي فكأنه قال له: عرفت اليتم وما فيه والعيلة وما فيها وقد أنعم الله عليك وأغناك فأحسن إلى اليتيم والفقير واجتهد في هداية الناس من الضلالة لتشكر بذلك نعمة ربك عليك، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس:(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وكان أجود الناس، ففي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)).
وكان أحرص الناس على هداية الناس حتى قال الله له:(لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين) وقد ورث أصحابه هذا المعنى فقال لهم صلى الله عليه وسلم:((لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)).
ـ وكان رجل ممن قبلنا قد اشتد به العطش فدخل بئر فشرب منها فلما خرج إذا هو بكلب يأكل الثرى من شدة العطش فقال: لقد نزل بهذا الكلب مثل ما كان بي من العطش فدخل البئر فملأ خفه فعضه بأسنانه حتى خرج فسقى الكلب فشكر الله له ذلك فغفر له.
إن عطشه القريب الذي ذاقه ذكره بحرارة العطش فعطف على هذا الكلب فسقاه وإذا كان ذلك حال المؤمن مع البهائم فكيف بحاله مع المؤمنين من إخوانه إذا أحس حاجتهم وشدة عطشهم وجوعهم ومن هنا كان الصيام وسيلة تحسيسية للأغنياء يحسون بها حاجة الفقراء وتلك حكمة من حكمه الاجتماعية الظاهرة.
4ـ في رمضان تقوى صلة المؤمن بالقرآن لأن هذا الشهر شهر القرآن قال تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين صيامه وقيامه وقال صلى الله عليه وسلم:((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
والمسلم إذا قرأ القرآن أو سمعه وتدبر آيات الإنفاق وما أعد الله للمنفقين تحركت نفسه للإمتثال فكم من غني سمع آية حركت نفسه لإنفاق سعد به سعادة لا شقاء بعدها.
فهذا أبو طلحة رضي الله عنه يسمع قول الله عز وجل:(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) فتتحرك نفسه للإنفاق فيأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:((يا رسول الله: إن أحب مالي إلي بيرحاء فاجعلها حيث أراك الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذاك مال رابح اجعلها في قرابتك فتصدق بها أبو طلحة على ذوي الحاجة من أقربائه فكانت صدقة وصلة وقربة إلى الله سبحانه وتعالى رابحة.
وهذا أبو الدحداح رضي الله عنه يسمع قول الله عز وجل:(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) فيقول: يا رسول الله: أيستقرضنا الله وهو الغني فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم يستقرضكم ليرفع من درجاتكم فيقول: يا رسول الله إن لي بستانا قد علمت الأنصار أنه ليس في المدينة بستان مثله وقد أقرضته لله ويأتيه وزوجه وأولاده يلتقطون ما طاب ولذ من ثمره فيقف على بابه وينادي زوجه: 
بــيــنـي مــــنـه بالـــودادي فـقـــد مضى قرضا إلى التنادي
وتجيبه زوجه الصالحة القانتة المؤمنة الموقنة بوعد الله:
بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما عليه ونجح
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس على الإطلاق وكان جوده يزداد في رمضان لأثر القرآن وآياته ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).
5ـ الصيام يهذب الغريزة الجنسية ويحد من ثورتها فتقل حالات التحرش والنظر المؤذي وما يتبع ذلك من أمور لا تحمد عقباها كالخيانة وانتهاك الأعراض وأبناء الشوارع وانتشار البغضاء والكراهية مما يعود على المجتمع بآثار سيئة.
6ـ الصيام دورة في تهذيب الأخلاق فالصائم لا يشتم ولا يسب ولا يصخب ولا يكذب ولا يغتاب ولا ينم. قال صلى الله عليه وسلم:((الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم)) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
وقال صلى الله عليه وسلم:((ما صام من أفطر على لحوم الناس)) ومدة رمضان مدة كافية لاكتساب الأخلاق الحميدة والتخلص من الأخلاق الرديئة وكما يقي الصيام الجسم من بعض الأمراض ويخلصه من بعضها يقي النفس والمجتمع كذلك من بعض الأمراض ويخلصهما من بعضها.
وما تراه من لباقة استقبال المضيفين في الطيران والفنادق وبعض المؤسسات أثر لإعداد تدريبي يعد رمضان أفضل منه كل أفراد المجتمع.
7ـ الصيام دورة للتخلص من العادات الضارة كالتدخين والكذب ومشاهدة الأفلام الخليعة والعادة السرية ونحوها من المفطرات الحسية أوالمعنوية وترك الإنسان ذلك نهارا كاملا لمدة شهر كامل معين على تعود الإقلاع عنه وتركه تركا كليا.
8ـ الصيام يحقق درجة المراقبة ففي الحديث القدسي:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)) نعم يراقب الصائم ربه فلا يأتي ما يفسد صومه وإن توارى عن أعين الناس لعلمه بأن الله مطلع عليه فيولد ذلك لديه الشعور بمراقبة الله في كل أمر فيأتي الذي هو له ويترك ما ليس له ولو تحققت درجة المراقبة في المجتمع المسلم لأغلقت السجون وسرحت لجان المراقبة والتفتيش لأن كل إنسان يشعر بمراقبة الله فلا يخون مسؤول مسؤوليته ولا يقصر في واجبه لعلمه باطلاع الله عليه وإن استطاع أن يفلت من مراقبة الناس.
كان عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة فسمع امرأة تقول لابنتها قومي فاخلطي اللبن بالماء فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن ذلك فردت الأم: وأين عمر إنه لا يرانا قومي فاخلطي اللبن بالماء فردت الفتاة الصالحة يا أماه إذا كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا وامتنعت من ذلك فخطبها عمر لابنه عاصم فكانت تلك الفتاة جدة لعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا).
وكان عمر رضي الله عنه يعس ذات ليلة فسمع امرأة تترنم فاقترب منها فإذا هي تنشد:

تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني ألا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورا وطورا كأنما بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
فوالله لولا الله لا رب غيره لحرك من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يعدني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

فنظر عمر فإذا هي امرأة مغيبة قد غاب عنها زوجها في الجيش فأمر ألا يغيب الجندي عن زوجته أكثر من أربعة أشهر.
وخرج شاب بفتاة يراودها عن نفسها وكانت تتعلل له بمشاهدة الناس لهم فنجح في أن يخرجها إلى فضاء لا أنيس به وقال لها: ها نحن في مكان لا يرانا إلا الكواكب فردت عليه: ويحك وأين مكوكبها فصاح الفتى وأقلع وكان من عباد المسلمين.
نعم إنها المراقبة لله الحارس الأمين حين يتطاول الليل ويسود جانبه ويأمن الإنسان رقيب الناس وحين ينام الأمير ويغيب حرسه وحين يغيب البعل وتطول غيبته وحين تثور الشهوة وتتاح الفرصة وهل اغتصبت الحقوق وضيعت الأمانة إلا حين ضعف وازع المراقبة في نفوس الناس.
9ـ الصيام سبب لتحقيق التقوى ومحو الآثام والذنوب قال تعالى:(لعلكم تتقون) وقال صلى الله عليه وسلم:((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) وإذا تحققت التقوى وغفرت الذنوب والآثام حلت البركات وتحقق الرخاء الاقتصادي والسعادة به قال تعالى:(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) ففي الآية أن المفتوح بركات والمال ما لم يبارك فيه لا تحصل به السعادة بل قد يكون مصدر تعب وشقاء قال تعالى عن المنافقين:(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) فحين تحجب البركة عن المال والولد يكون مصدر عذاب في الدنيا، وهذا المفتوح المعبر عنه بالبركات جاء بصيغة الجمع وتعدد الجهات المفتوح منها. (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).
ومن المعلوم أن أقوى الاقتصاديات العالمية الاقتصاد المتعدد المصادر الذي كل ما كسد مصدر من مصادره ارتفع الآخر أو لم يتأثر ألا ترى أن النفط إذا كان مصدرا وحيدا لبلد ما تأثر إقتصاده بهبوط أسعاره على أن البركة هي الأساس في السعادة بالمال ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:((اللهم بارك لنا فيما رزقتنا)) ويدعو بالبركة لأصحابه في أموالهم وأهليهم ليحققوا السعادة بذلك.

• رابعاً : منافع الصيام العسكرية (الصيام والقوة العسكرية):ـ
الصيام مدرسة لإعداد الأمة إعدادا عسكريا فكأنه التجنيد الإجباري على كل أفراد الأمة ممن يطيق ذلك رجلا كان أو امرأة ففي الصيام يتعود أفراد الأمة على الظروف غير العادية من نقص المؤن فيتعودون الجوع والعطش في الظروف العادية ليتحملوا ذلك في الظروف غير العادية وإنك لترى الجيوش تعود أفرادها على الجوع والعطش وأكل الحشرات والزواحف وأوراق الشجر لا عن نقص في المؤن ولكن إعدادا لظروف ربما يتعرض لها الجندي في ساحات النزال ومواقع القتال.
والعلاقة بين الصيام والجهاد والإعداد العسكري علاقة وطيدة فقد فرضا في سنة واحدة وفرضا في كتاب الله بصيغة واحدة قال:(كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) وفرض الله شهر رمضان وفيه كانت معارك الإسلام الفاصلة ففيه كان يوم بدر يوم الفرقان، وفتح مكة، ومعركة حطين، وعين جالوت، وغيرها من معارك الإٍسلام الفاصلة.
وقد وطد النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلاقة بإشارة واضحة جلية عندما قال:((خير الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى))ٍ.
نعم إن الصيام مقدمة الثبات في المعارك ومواقع النزال ومعترك الحياة وشؤونها لأنه إعلان لانتصار النفس على شهواتها وذلك الانتصار على النفس هو المقدمة الكبرى للانتصار في مواقع النزال والقتال وميادين صراع الحياة وجهادها لا ينتصر هناك من لم ينتصر هنا.

ومن الجوانب الإعدادية في مدرسة الصيام : 
1- أن الصيام وسيلة للوقاية من كثير من الأمراض وسبب للشفاء من كثير منها بإذن الله فيحقق بذلك للمسلم اللياقة البدنية والصحة النفسية ، والصحة البدنية والتوازن النفسي من أهم ما يحتاجه المسلم في ميدان جهاده في معترك الحياة وساحات الوغى ؛ لذا الدول تسعى للرفع من لياقة حراس أمنها والحامين لأرضها ، والمسلم هو الجندي الذي يحمي الديار ويذود عن الدين والأوطان والقيم الرفيعة رجلا كان أو امرأة والصيام يعده لذلك إعدادا بدنيا ونفسيا وروحيا لن ترى له مثيلا في طرق الإعداد وسبلها المختلفة.
وقد أشار النبي صلى عليه وسلم إلى هذه العلاقةعندما قال : (( من خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار لها ....)) ، فالتعبير ب\"طار لها \" موح بخفة في الجسم ولياقة تناسب هذا اللفظ ودلالته. 
2- وفي رمضان تقوى علاقة المسلم بالقرآن-( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)- فيتأمل آيات الجهاد بكل أنواعه وما أعد الله لأهله فيسهل عليه من ذلك ما صعب لما يرجو من عظيم الأجر عند الله سبحانه وتعالى، ويسمع من آيات القرآن ما يربط على فؤاده ويكسبه الشجاعة التي لا يهزم صاحبها فالموت مقدر لا محالة –( كل نفس ذائقة الموت )- ولا يؤخره قعود في قصر مشيد ولا تعجله ساحات القتال والنزال : (( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة )) ، ومن كتب عليه مصرع صرع فيه لا محالة : (( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم )) ، فعلام الخوف والجبن والنكوص؟؟!
3- وفي رمضان تقوى درجة التقوى ومنزلة المراقبة في حس المؤمن : (( يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) ، والصوم لا يكون إلا لله لأنه من العبادات التي لا يكاد يراءى بها ولهذا أعظم الأجر لصاحبه فقال في الحديث القدسي : (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ))، ومن قوى لديه جانب التقوى وعظمت منزلة المراقبة في ضميره كان الحارس الأمين للدين والأوطان ولن يؤتى المسلمون من قبله ، قد يجد غرة ينجو بها وعذرا يتخلص به لدى كبير من الكبراء لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الله مطلع عليه فلا يرتكب ما يوجب اعتذارا وإن فر جبان مدعيا أنه متحرف لقتال أو متحيز لفئة ثبت هو كالطود ولم يتزحزح إلا إذا كان متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئه صدقا لعلمه بأن التولي كبيرة قال تعالى : (( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئه فقد باء بغض من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )) وهو إنما خرج ابتغاء مرضاة لا تعرضا لغضبه وطمعا في جنته لا تعرضا لما يوجب سخطه وعذابه.
إلى غير ذلك من الفوائد التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذه العبادة العظيمة وغيرها من العبادات التي لم يأمر الله بها إلا لمصالح ينالها المأمور بها في الدنيا والآخرة، ومن هنا يدرك المؤمن قيمة الامتنان عليه بالهداية والأمر والنهي فلم يؤمر إلا بما ينفعه في الدنيا والآخرة ولم ينه إلا عما يضره في الدنيا والآخرة علم ذلك من علمه وجهله من جهله. 
وهكذا يكون رمضان بهذا المعنى مدرسة إعداد للأمة في كل مجالات الحياة فاللهم لك الحمد على أن شرعت لنا هذا الدين الذي جمعت لنا فيه بين خيري الدنيا والآخرة وجعلتنا به خير أمة أخرجت للناس والحمد لله الذي هدانا للإيمان :(يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) فاللهم لك الحمد والمنة على ما أنعمت علينا به من اتباع هذا الدين وهدايتنا للإسلام وجعلنا من أمة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2015

الدليل الطبي للمريض في شهر الصيام



الدليل الطبي للمريض في شهر الصيام


مع إطلالة كل رمضان يتساءل كثير من المرضى فيما إذا كانوا يستطيعون الصوم أم لا، وفيما إذا كان صيام رمضان يزيد من مرضهم سوءاً، أو يفاقم من أعراضهم أم لا. 


أسئلة كثيرة تتردد على بال المرضى وأقربائهم، والبعض يقع فريسة الأوها، أو يفتيه جاهل بالطب فيصوم أو يفطر، دون الرجوع إلى طبيب أخصائي مسلم يقوّم حالته، ويعطيه النصيحة والإرشاد. 

وكثير من المرضى من يريد الصيام، وهو لا يقوى عليه، أو قد يكون في صيامه عبء على مرضه، أو تفاقم في أعراضه، وكثيراً ما كانت الآراء الطبية مبنية على خبرات ذاتية، أو على ما نشر في مقالات متفرقة هنا وهناك، وللأسف الشديد فليس هناك في كلية الطب – على حد علمي – مادة اسمها (الصيام وتأثيراته على الأمراض المختلفة)، كما أنه ليس هناك مرجع طبي يجمع كل الدراسات العلمية المنشورة في المجلات الطبية الأمريكية والأوروبية والعربية والمتعلقة بالصيام، فحتى سنوات قليلة خلت لم تكن هناك سوى دراسات محددة جداً في تلك المجالات. 

وقد سرّني أن أجد عدداً من الدراسات العلمية الحديثة، وقد نشرت حول الصيام في عدد من المجلات الطبية العالمية، فكانت هناك دراسة في مجلة (B. M. J.) البريطانية عن الصيام ومرضى السكري، وأخرى عن تأثير الصيام على الوليد، وثالثه حول تأثير الصيام على مرضى الفشل الكلوي، وهكذا، ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى وضع كتاب شامل لموقف الطب من الصيام في العديد من أمراض القلب والصدر والهضم والكلى... ويشمل كافة الدراسات العلمية الحديثة، ووصايا الخبراء في تلك المجالات. 

ولهذا قمت بتأليف كتابي (الدليل الطبي والفقهي للمريض في شهر الصيام) وهو الآن في طريقه إلى النور (تحت الطبع)، وقد رأيت أن أضع أمامكم ملخصاً لما جاء في ذلك الكتاب، ومن شاء المزيد من التفاصيل رجع إلى ذلك المصدر، وينبغي التنويه إلى أن هذه الإرشادات ما هي إلا وصايا عامة، ولا يمكن أن تنطبق بحال من الأحوال على كل المرضى، ويعود تقويم حالة المريض وإرشاده إلى طبيبه المختص المسلم، فهو أدرى بحاله وأعلم بأمره.

1. مريض الجهاز الهضمي في شهر الصيام: 
يعتبر شهر رمضان بحق، شهر إجازة للجهاز الهضمي، ولكن المؤسف حقاً أن يتخم الكثير منا نفسه عند الإفطار بشتى فنون الطعام والشراب، فيحوِّل سعادة المعدة والأمعاء إلى تخمة وعناء، وسنستعرض أهم أمراض الجهاز الهضمي ذات العلاقة بالصيام. 

أ) قرحة المعدة أو الإثني عشر: 
يشكو المصاب بالقرحة الحادة من آلام في المعدة عند الجوع، أو ألم يوقظه من النوم، ويخف ألم قرحة الإثني عشر بتناول الطعام، ولكن كثيراً ما يعود الألم بعد عدة ساعات. 

وينبغي على مريض القرحة المصاب بإحدى الحالات التالية للإفطار: 

القرحة الحادة: وذلك حين يشكو المريض من أعراض القرحة. كالألم عند الجوع، أو ألم يوقظه من النوم. 
في حال حدوث انتكاسة حادة في القرحة المزمنة: وينطبق في تلك الحالة ما ينطبق على القرحة الحادة. 
وكذلك الأمر عند الذين تستمر عندهم أعراض القرحة رغم تناول العلاج بانتظام. 

عند حدوث مضاعفات القرحة، كالنزيف الهضمي، أو عند عدم التئام القرحة رغم الاستمرار بالعلاج الدوائي. 
ب) عسر الهضم: 
وهي كلمة شائعة تشمل عدداً من الأعراض التي تعقب تناول الطعام، وتشمل الألم البطني وغازات البطن والتجشؤ والغثيان، وحس عدم الارتياح في أعلى البطن، وخاصة عقب تناول وجبة كبيرة، أو بعد تناولها بسرعة، أو بعد تناول طعام غني بالدسم أو البهارات. 

وكثيراً ما تتحسن أعراض هؤلاء المرضى بصيام رمضان، شريطة ألا تكون لديهم قرحة حادة في المعدة أو الأثني عشر، أو التهاب في المريء أو بسبب عضوي آخر، وشريطة تجنب الإفراط في تناول الطعام عند الإفطار والسحور. 

ج) فتق المعدة (أو فتق الحجاب الحاجز): 
يحدث فتق المعدة بشكل خاص عند البدينين، وخاصة عند النساء في أواسط العمر، ومعظم المصابين بفتق المعدة لا يشكو من أية أعراض، ولكن قد يشكو البعض من حرقة وحموضة في المعدة، وخاصة عند امتلائها أو الانحناء إلى الأمام أو الاستلقاء، حيث يعود جزء من محتويات المعدة إلى المريء. 

وينبغي على البدينين أن يسعوا جاهدين لإنقاص وزنهم، فهو خير علاج لحالتهم، وينصح المريض بتناول وجبات صغيرة عند الإفطار والسحور، مع تناول الأدوية بانتظام وتخفيف الدسم، والتوقف عن التدخين، وترك فترة 4 ساعات بين وجبة الطعام والنوم، أما إذا كانت مشقة على المريض، أو ازدادت الأعراض سوءاً بالصيام فينصح المريض بالإفطار. 

د) الإسهال: 
ينصح المريض المصاب بالإسهال بالإفطار، وخاصة إذا كان الإسهال شديداً، فلا يستطيع المريض الصيام، لعدم قدرة الجسم على تعويض ما يفقده من سوائل وأملاح بسبب الإسهال. 

وإذا صام المصاب بالإسهال فقد يصاب بالجفاف وهبوط في ضغط الدم أو يصاب بالفشل الكلوي. 

هـ) أمراض الكبد: 
ينصح المصابون بأمراض الكبد المتقدمة كتشمع الكبد وأورام الكبد بالإفطار، كما ينصح بالإفطار أيضاً المصابون بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، أو الاستسقاء في البطن (الحبن). 

و) عمليات قطع المعدة: 
هناك بعض المرضى الذين أجريت لهم عملية قطع أو استئصال جزء من المعدة بسبب قرحة في المعدة مثلاً، وهؤلاء المرضى يحتاجون إلى تناول وجبات صغيرة من الطعام وبطريقة منتظمة، وقد لا يستطيعون الصيام. 

2. مريض القلب في شهر الصيام: 
لا شك أن في الصيام فائدة عظيمة لكثير من مرضى القلب، ولكن هناك حالات معينة قد لا تستطيع الصيام. 

أ) ارتفاع ضغط الدم: 
يفيد الصيام في علاج ارتفاع ضغط الدم، فإنقاص الوزن الذي يرافق الصيام يخفض ضغط الدم بصورة ملحوظة، كما أن الرياضة البدنية من صلاة تراويح وتهجد وغيرها تفيد في خفض ضغط الدم المرتفع. 

وإذا كان ضغط الدم مسيطراً عليه بالدواء أمكن للمريض الصيام شريطة أن يتناول أدويته بانتظام، فهناك حالياً أدوية لارتفاع ضغط الدم تعطى مرة واحدة أو اثنتان في اليوم. 

ب) فشل القلب (قصور القلب): 
فشل القلب نوعان: فشل القلب الأيسر وفشل القلب الأيمن، ويشكو المريض عادة من ضيق النفس عند القيام بالجهد، وقد يحدث ضيق النفس أثناء الراحة، وينصح المصاب بفشل القلب الحاد بعدم الصيام، حيث يحتاج لتناول مدرَّات بولية وأدوية أخرى مقوية لعضلة القلب وكثيراً ما يحتاج إلى علاج في المستشفى. 

أما إذا تحسنت حالته واستقر وضعه، وكان لا يتناول سوى جرعات صغيرة من المدرات البولية فقد يمكنه الصيام. 

وينبغي استشارة طبيب القلب المسلم فهو الذي يقرر ما إذا كان المريض قادراً على الصوم أم لا، إذ يعتمد على شدة المرض وكمية المدرات البولية التي يحتاج إليها. 

ج) الذبحة الصدرية: 
تنجم الذبحة الصدرية عادة عن تضييق في الشرايين التاجية المغذّية لعضلة القلب. 

وإذا كانت أعراض المريض مستقرة بتناول العلاج، ولا يشكو المريض من ألم صدري أمكنه الصيام في شهر رمضان، بعد أن يراجع طبيبه للتأكد من إمكانية تغيير مواعيد تعاطي الدواء. 

أما مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو الذين يحتاجون لتناول حبوب النيتروغليسرين تحت اللسان أثناء النهار فلا ينصحون بالصوم، وينبغي عليهم مراجعة الطبيب لتحديد خطة العلاج. 

د) جلطة القلب (احتشاء العضلة القلبية): 
تنجم جلطة القلب عن انسداد في أحد شرايين القلب التاجية، وهذا ما يؤدي إلى أن تموت خلايا المنطقة المصابة من القلب، ولا ينصح مرضى الجلطة الحديثة، وخاصة في الأسابيع الستة الأولى بعد الجلطة بالصيام، أما إذا تماثل المريض للشفاء، وعاد إلى حياته الطبيعية، فيمكنه حينئذ الصيام، شريطة تناوله الأدوية بانتظام. 

هـ) أمراض صمامات (دسامات) القلب: 
تنشأ أمراض صمامات القلب عادة عن إصابة هذه الصمامات بالحمى الرئوية (الحمى الروماتيزمية) في فترة الطفولة، فيحدث تضيق أو قلس (قصور) في الصمام نتيجة حدوث تليف في وريقات الصمام. 

وإذا كانت حالة المريض مستقرة، ولا يشكو من أعراض تذكر أمكنه الصيام، أما إذا كان المريض يشكو من ضيق النفس ويحتاج إلى تناول المدرات البولية فينصح بعدم الصوم. 

و) من هم مرضى القلب الذين ينصحون بعدم الصيام؟
1). المرضى المصابون بفشل القلب (قصور القلب) غير المستقر. 
2). مرضى الذبحة الصدرية غير المستقرة، أو غير المستجيبة للعلاج. 
3). مرضى الجلطة القلبية الحديثة. 
4). حالات التضيق الشديد أو القصور الشديد في صمامات القلب. 
5). الحمى الرئوية (الروماتيزمية) النشطة. 
6). الاضطرابات الخطيرة في نظم القلب. 
7). خلال فترة الأسابيع التي تعقب عمليات جراحة القلب. 

3. مريض الكلى في شهر الصيام: 
تقوم الكليتان بوظائف عديدة منها تنقية الدم من الفضلات الآزوتية، ومراقبة توازن الماء والشوارد في الدم، والحفاظ على توازن قلوي حامضي ثابت في الجسم، وإذا كانت الكليتان سليمتين فالصوم لهما راحة وعافية، أما عندما تصبح الكلى مريضة، فلا تستطيع القيام بالكفاءة المطلوبة لتركيز البول والتخلص من المواد السامة كالبولة الدموية وغيرها. 

ومن هنا يصبح الصيام عبئاً على المريض المصاب بالفشل الكلوي، وخصوصاً في المناطق الحارة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة الدموية والكرياتنين في الدم، وينبغي على أي مريض مصاب بمرض كلوي استشارة طبيبه قبل البد بالصيام، فإذا لم يتناول مريض الكلى كمية كافية من الماء فقد يصاب بالفشل الكلوي.

أ) الحالات الحادة من أمراض الكلى: 
قد يحتاج المصاب بمرض كلوي حاد دخول المستشفى وتلقِّي العلاج هناك، وفي هذه الحالة ينبغي عدم الصوم.

ومن هذه الحالات التهاب الحويضة والكلية الحاد، والتهاب المثانة الحاد والقولنج الكلوي، والتهاب الكبب والكلية الحاد. 

ب) الحصيات الكلوية: 
إذا لم يكن لدى المرء حصيات كلوية من قبل فلا داعي للقلق في شهر رمضان، أما الذين لديهم حصيات كلوية، أو قصة تكرر حدوث حصيات في الكلى، فقد تزداد حالتهم سوءاً بالجفاف إذا لم يشرب المريض السوائل بكميات كافية. 

ويستحسن في مرضى الحصيات بالذات الامتناع عن الصيام في الأيام الشديدة الحرارة، حيث تقل كمية البول بدرجة ملحوظة مما يساعد على زيادة حجم الحصيات، ويعود تقدير الحالة إلى الطبيب المختص. 

وعموماً ينصح مرضى الحصيات الكلوية بتناول كميات وافرة من السوائل في المساء وعند السحور، مع تجنب التعرض للحر والمجهود المضني أثناء النهار. 

ج) التهاب الحويضة والكلية المزمن: 
وقد تؤدي هذه الحالة بعد فترة من الزمن إلى حدوث الفشل الكلوي، ولهذا يستحسن عدم الصوم، فقد يزيد ذلك من احتمال حدوث الفشل الكلوي، ويعود تقرير ذلك إلى الطبيب المعالج. 

د) التهاب الكبب والكلى المزمن: 
وفيه تصاب الكلى بخلل في وظائفها، وقد يؤدي ذلك إلى حدوث (التناذر الكلوي) وفيه يصاب المريض بوذمة (انتفاخ) في الساقين، وبنقص في ألبومين الدم، وظهور كميات كبيرة من البروتين في البول. 

وينصح هؤلاء المرضى بعدم الصوم، وخاصة إذا كان المرض مصحوباً بالتناذر الكلوي وارتفاع ضغط الدم أو الفشل الكلوي. 

هـ) الفشل الكلوي المزمن: 
تمر بعض أمراض الكلى بمراحل قد تنتهي بما يسمى الفشل الكلوي المزمن، وذلك حينما يتخرب قسم كبير من أنسجة الكليتين، ويشكو المريض حينئذ من الإعياء والفواق وكثرة التبول، والتبول الليلي والعطش.

ويرتفع في تلك الحالة مستوى البولة الدموية والكرياتنين، وقد يزداد بوتاسيوم الدم، وينصح مرضى الفشل الكلوي المزمن بعدم الصوم، أما إذا كان المريض يتلقى الغسيل الكلوي فربما يستطيع الصوم في اليوم الذي لا يجري فيه غسيل الكلى، ويفطر في يوم الغسيل الكلوي، ومرة أخرى ينبغي على المريض استشارة طبيبه المختص في ذلك. 

4. مريض السكري في شهر الصيام: 
يقسم مرضى السكر إلى فئتين، فئة تستطيع الصوم وأخرى تُمنع من الصوم. 

أ) مريض السكري الذي يستطيع الصوم: 
مريض السكري الكهلي (سكري النضوج) الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط. 
مريض السكري الكهلي الذي يعالج بالحمية الغذائية والأقراض الخافضة لسكر الدم: وهذه الفئة تقسم بدورها إلى قسمين: 
1). المريض الذي يتناول حبة واحدة يومياً: يستطيع الصيام عادة، على أن يفطر بعد أذان المغرب مباشرة على تمرتين أو ثلاث تمرات مع كأس من الماء، وبعد صلاة المغرب يتناول وجبة الدواء ثم يبدأ بالوجبة الرئيسية للإفطار. 

2). الذي يتناول حبتين يومياً: يستطيع الصوم عادة، على أن يتناول حبة واحدة قبل الإفطار ونصف حبة قبل السحور بدلاً من الحبة الكاملة التي كان يتناولها قبل شهر رمضان، وهكذا لأكثر من حبتين يومياً، بحيث يكون المبدأ إنقاص جرعة ما قبل السحور إلى النصف بناء على توصية طبيبه المعالج. 

ب) مريض السكري الذي لا يستطيع الصوم: 
1. مريض السكري الشبابي (المريض الذي يصاب بمرض السكري دون الثلاثين عاماً من العمر). 
2. مريض السكري الذي يحقن بكمية كبيرة من الإنسولين (أكثر من 40 وحدة دولية يومياً)، أو الذي يتعاطون الإنسولين مرتين يومياً. 
3. المريض المصاب بالسكري غير المستقر. 
4. المريضة الحامل المصابة بالسكري. 
5. المريض المسنّ المصاب بالسكري لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه يعاني من مضاعفات مرض السكر المتقدمة. 
6. المريض الذي أصيب بحماض ارتفاع السكر قبل شهر رمضان بأيام أو في بدايته. 

وينبغي التأكيد على الحقائق التالية: 
1. يجب على المريض الذي يصاب بنوبات نقص السكر أو الارتفاع الشديد في سكر الدم أن يقطع صيامه فوراً، لأنه يضطر إلى علاج فوري. 
2. ينبغي تقسيم الوجبات إلى ثلاثة أجزاء متساوية، الأولى عند الإفطار، والثانية بعد صلاة التراويح، والثالثة عند السحور. 
3. يفضّل تأجيل وجبة السحور قدر الإمكان. 
4. الحذر من الإفراط في الطعام، وخاصة الحلويات أو السوائل المحلاَّة.
وبصفة عامة فإن السماح بالصيام أو عدمه إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناولها يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره. 

5. مريض الصدر في شهر الصيام: 
كثيراً ما تأتي أمراض الصدر فجأة على شكل التهاب في القصبات أو التهاب في الرئة. 

أ) التهاب القصبات الحاد: 
إذا كانت حالة التهاب القصبات الحاد بسيطة، فإن المريض يستطيع تناول علاجه ما بين الإفطار والسحور، أما إذا احتاج الأمر لمضادات حيوية تعطى كل 6 – 8 ساعات، أو إذا كانت الحالة شديدة فينصح بالإفطار حتى يشفى من الالتهاب.

ب) التهاب القصبات المزمن: 
وفيه يشكو المريض من سعال مترافق ببلغم يومياً ولمدة ثلاثة أشهر متتابعة ولسنتين متتابعتين على الأقل. 

وإذا كانت حالة المريض مستقرة استطاع الصيام دون مشقة تذكر، أما في الحالات الحادة التي تحتاج إلى مضادات حيوية أو موسعات القصبات أو البخاخات الحاوية على مواد موسعة للقصبات فيقدّر الطبيب المختص ما إذا كان المريض يستطيع الصوم أم لا. 

ج) الربو القصبي: 
قد تكون نوبات الربو خفيفة لا تحتاج إلى تناول أدوية عن طريق الفم، كما يمكن إعطاء المريض الأقراص المديدة التأثير عند الإفطار والسحور، وكثير من مرضى الربو من يحتاج إلى تناول بختين أو أكثر من بخاخ الربو عند الإحساس بضيق في الصدر، ويعود بعدها المريض إلى ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، ولا ينبغي للمريض عند حدوث الأزمة متابعة الصيام، بل عليه تناول البخاخ فوراً، ومن العلماء الأفاضل من أفتى بأن هذه البخاخات لا تفطر. 

ولكن ينبغي الإفطار قطعاً عند حدوث نوبة ربو شديدة حيث كثيراً ما يحتاج المريض إلى دخول المستشفى لتلقي العلاج المكثف لها. 

كما ينبغي الإفطار إذا ما أصيب بنوبة ربو لم تستجب للعلاج المعتاد، ويجب التنبه إلى أن الانقطاع عن الطعام والشراب في تلك الحالات يقلل بشكل واضح من سيولة الإفرازات الصدرية، وبالتالي يصعب إخراجها. 

د) السل (التدرُّن الرئوي): 
يستطيع المريض المصاب بالسل الصيام إذا كانت حالته العامة جيدة وفي غياب أية مضاعفات، شريطة أن يتناول المريض دواءه بانتظام، وتعطى أدوية السل عادة مرة واحدة أو مرتين في اليوم، أما في المرحلة الحادة من المرض فيستحسن عدم الصيام حتى يتحسن وضع المريض العام.

6. أمراض الغدد في شهر الصيام: 
الغدد الصماء: هي مجموعة من الأعضاء في جسم الإنسان تختص بإفراز الهرمونات. وأهم هذه الغدد: الغدة النخامية، والغدرة الدرقية، والغدد الكظرية، ومجاورات الدرق، والمبيضان والخصيتان والبنكرياس. 

أ) أمراض الغدد الدرقية: 
1). فرط نشاط الغدة الدرقية: 
وينجم عن إفراز كميات زائدة من هرمون الثيروكسين، ويشكو المريض عادة من تضخم في الغدة الدرقية (في أسفل الرقبة) ونقص في الوزن ورجفان وخفقان. 

وإذا كانت حالة المريض مستقرة أمكنه الصوم، شريطة تناول الأدوية بانتظام. 

2). قصور الغدة الدرقية: 
ويشكو المريض في هذه الحالة من الوهن والإعياء الشديد ونقص في النشاط الفكري والعصبي. 

ويعطى هرمون الثيروكسين مرة واحدة يومياً كعلاج لهذه الحالة، وبذلك يمكن للمريض الصيام دون أي تأثير خاص. 

3). أورام الغدة الدرقية: 
ليس للصوم تأثير على أورام الغدة الدرقية، ويمكن للمريض الصيام، وعلاج أورام الدرق عادة جراحي. 

4). التهابات الغدة الدرقية الحادة: 
وتسبب عادة ألماً في الغدة وقد تحدث الحمى، مما قد يجعل الصوم غير ممكن في المرحلة الحادة، شأنه في ذلك الأمراض الحادة، أما الالتهابات المزمنة للغدة الدرقية فلا تتعارض عادة مع الصوم. 

ب) أمراض الغدة الكظرية:
الكظران غدتان تقعان فوق الكليتين وتفرزان عدة هرمونات أهمها الكورتيزول والألدوسترون والهرمونات التناسلية. 

وأمراضها عادة غير شائعة وأهمها: 

1- مرض كوشينغ: 
وفيه يحدث وهن في الجسم، وارتفاع ضغط الدم، وبدانة مركزية تتجنب الأطراف وتدور في الوجه، كما قد يحدث فيه مرض السكر، ولا ينصح فيه بالصوم. 

2- مرض أديسون: 
ويحدث فيه قصور في إفراز الكورتيزول، نتيجة تلف في الغدد الكظرية، ويحدث فيه انخفاض في ضغط الدم ووهن شديد وتغير في لون البشرة يميل إلى السواد... إلخ. 

وينبغي فيه تجنب الصوم، خصوصاً وأنه قد يصاحبه هبوط سكر الدم. 

3- الورم القتامي : 
وهو مرض نادر يسبب ارتفاعاً متأرجحاً في ضغط الدم ونوبات من التعرق والخفقان والوهن العام. 

وينصح فيه بتجنب الصوم، والاستئصال الجراحي لهذا الورم يتلوه عادة شفاء تام، مما يجعل الصوم ممكناً. 

ج) أمراض الغدة النخامية: 
وهي أيضاً أمراض نادرة، وأهمها مرض (ضخامة النهايات) وقصور الغدة النخامية، وينصح فيهما بعدم الصوم. 

7. الأمراض العصبية والنفسية في شهر الصيام: 
أ) الصرع: 
يستطيع المصاب بالصرع أو الاختلاجات الصيام، شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاختلاج بانتظام، فهناك حالياً أدوية تعطى مرة واحدة باليوم للسيطرة على الاختلاجات. 

ب) الاكتئاب: 
يستطيع مريض الاكتئاب الصيام شريطة أن يتناول الأدوية المضادة للاكتئاب بانتظام، وتعطى هذه الأدوية عادة مرة أو مرتين في اليوم. 

ج) مريض الفصام: 
لا يجوز لمريض الفصام الصيام، فإن التوقف عن استعمال أدوية الفصام قد يؤدي إلى نوبات من العنف والضلالات الخاطئة والهلاوس، وقد يؤدي ذلك إلى الاعتداء على الآخرين.

8. الحامل والمرضع في شهر الصيام: 
أوضحت الدراسات العلمية الحديثة أن صيام رمضان يؤدي إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية عند الحامل، ولكنها لا تؤثر على الحامل السليمة البدن والتي لا تشكو من أية أمراض عضوية. 

ومع ذلك لا يمكن إطلاق قول حاسم على كل الحوامل والمرضعات بحيث تقول إن هناك حامل أو مرضع تستطيع الصيام، وأخرى لا تقدر عليه. وإذا ما شعرت الحامل والمرضع بصداع شديد، أو (زغللة) في العينين، أو هبوط وإجهاد عام، أو عدم القدرة على القيام بأي نشاط فإن ذلك يعني حدوث انخفاض واضح في سكر الدم، أو أن هناك أمراً غير طبيعي، وعليها استشارة الطبيب المعالج. 

أ) ما هي الأحوال المرضية التي تجيز للحامل الإفطار؟ 
انخفاض ضغط الدم الانقباضي (الرقم الأعلى) عن 100 ملم زئبقي، حيث قد يسبب هذا الانخفاض إحساساً بالإغماء إضافة إلى عدم القدرة على التركيز. 
القي المصاحب للحمل، وخاصة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. 
التسمم الحملي: حيث يحدث ارتفاع في ضغط الدم، ويظهر الزلال في البول كما تحدث وذمة في الأطراف. 
حدوث انخفاض في سكر الدم. 
وجود مرض عضوي، وذلك تحت إشراف الطبيب المعالج. 
والخلاصة: فإن موضوع صيام الحامل في شهر رمضان يعتمد على حالة الحامل والجنين قبل دخول شهر رمضان، فإن كانت كافة المؤشرات والفحص السريري تشير إلى تمام صحة الحامل والجنين فإن الطبيب على الأغلب سيشير بالاستمرار في الصيام، ويعود تقرير ذلك إلى الطبيبة أو الطبيب الأخصائي المسلم. 

9. الرضاعة والصيام: 
يمكن للمرأة المرضع صيام شهر رمضان، شريطة أن يكون هناك تعويض في نوعية الطعام والشراب أثناء شهر رمضان في الفترة المسائية، وشريطة أن لا تتأثر كمية ونوعية الحليب (اللبن) عند الطفل الرضيع. 

أما إذا خافت المرضع على نفسها أو رضيعها من جرَّاء الصيام، أو أثَّر ذلك على الرضاعة، جاز لها أن تفطر. 

والخلاصة: فإن تقرير إمكانية الصيام أو عدمه ليس بالأمر السهل، ولا يمكن تقرير قواعد عامة لجميع المرضى، بل ينبغي بحث كل مريض على حدة، ولا يتيَّسر ذلك الأمر إلا للطبيب المسلم المختص، فهو يملك ما يكفيه من المعطيات التي تمكنه من نصح مريضه بإمكانية الصوم أو عدمه. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

(( الصِّيامُ جُنَّة ))


صعِدَ خطيبٌ المنبرَ في أول جُمُعةٍ من رمضانَ، وألقى خُطبةً بليغةً عصماءَ، عن فضل شهر الصَّوم،

يرغِّب فيها المسلمين باغتنام الشَّهر الكريم بالعبادة والطاعات، ويَحُثُّهُم على الإكثار من النَّوافل والقُرُبات.

وكان مما استشهَدَ به الخطيبُ على فضيلة الصِّيام، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :(( الصِّيامُ جُنَّة ))[ متفق عليه من حديث أبي هريرة ]،
ولكنه أخطأ في ضَبطه، وصحَّف نُطقَه، فجعلَه: ( جَنَّة ) بفتح الجيم،
ولم يَفتأ يكرِّر الحديثَ، ويعيدُه مَلحونًا محرَّفًا،
يقول: الصِّيامُ جَنَّة، نعم أيها الإخْوَة، الصِّيامُ جَنَّةٌ عَرضُها السماواتُ والأرضُ، الصِّيامُ جَنَّةٌ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشَر.
كلُّ هذا وهو يفتح الجيم؛ متوهِّمًا أن المرادَ في الحديث: الجَنَّة، التي هي دارُ النعيم التي أعدَّها الله في الحياة الآخرة لأهل طاعَته من عباده المؤمنين، جَزاءً وِفاقًا؛ لإحسانهم في الحياة الدُّنيا.

وما إن نزلَ الخطيبُ عن المنبر حتى بادَرَه أحدُ المصلِّين بقوله: ولكنَّ الحديثَ يا شيخنا: (( الصِّيامُ جُنَّة )) بضم الجيم، أي: أنه وِقايَةٌ وسَتْر.
فأُسقِطَ في يد الخطيب المسكين، وانقطَعَت دونه مسالكُ الاعتذار، وعَقَدَ لسانَه الاستحياءُ من هذا الموقف الحَرِج العَصيب، الذي لا يُحسَد عليه البتَّة.

ولو أنَّ الخطيبَ اطَّلَع على الروايات الأُخرى للحديث، لكان سَلِمَ مما وَقَعَ فيه،
ومن تلك الروايات روايةٌ صريحةٌ بيِّنة، وهي بلفظ: (( الصَّومُ جُنَّةٌ منَ النَّار ))،
ومن هنا قال الإمامُ ابن العربيِّ المالكيُّ في تفسير الحديث: إنما كانَ الصَّومُ جُنَّةً من النار؛ لأنه إمساكٌ عن الشَّهَوات، والنارُ مَحفوفَةٌ بالشَّهَوات، فالحاصِلُ أنه إذا كَفَّ نفسَه عن الشَّهَوات في الدُّنيا، كان ذلكَ ساتِرًا له من النار في الآخِرة.



جوارحك والصوم



جوارحك والصوم

للصوم فوائد روحية ونفسية كثيرة منها أنه سبب لزرع تقوى الله في القلوب وكف الجوارح عن المحرمات، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة 183] .

والصوم مدرسة نتعلم فيها الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وقوة الإرادة وجهاد النفس والامتناع عن أهم رغبات الجسد وحاجاته الضرورية، ونتدرب على السلوك الحسن الذي يبعث على التقوى والإخلاص امتثالا لأمر الله وتقربا إليه، وفي الصوم يتعلم المسلم تهذيب النفس وحفظ الجوارح وتزكية الأخلاق، وتحلية القلب بالشفقة والرحمة، حيث يشعر الصائم في آخر النهار بألم الجوع ولهيب العطش، فيذكره ذلك بمعاناة الفقراء والمحرومين، ويدعوه للشفقة بهم ورحمتهم، وفي الصوم يكبح المرء جماح النفس عن أن تسترسل في الشهوات والملذات، حيث إن الصوم يقلل الشهوة ويضعفها، ويكسر حدتها، فينبغي للعبد أن يبالغ في حفظ جوارحه وحواسه حتى لا يقع في الشر والفساد والإثم والمنكر، ففي هذا الشهر \'ينادي مناد من قبل الحق تبارك وتعالى فيقول: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر\'.
فلابد في الصوم من كف اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والهذيان، وكف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، وكف البصر عن النظر، إلى كل ما نهى الله عنه، وكف بقية الجوارح عن ارتكاب المحرمات، وهذه غاية الصوم \'لعلكم تتقون\' فالصائم يراقب الله في جميع أعماله، فتتمثل عظمة الله في قلبه، فيحجم عن فعل القبيح، وترتدع نفسه عن إتيان الشهوات، وأهون الصوم ترك الطعام والشراب ,فالصيام يحفظ على المسلم جوارحه ومن حفظ الجوارح :
1- كف اللسان عن الأذى : 
اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة؛ فإنه صغير جِرْمُه، عظيم طاعته وجُرْمُه! إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان , فمَن أطلق عَذَبَةَ اللسان وأهمله مَرخِيّ العَنان سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جُرُف هار؛ إلى أنْ يضطره إلى البوار.
قال تعالى : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) [ق: 18] ,وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: \"الفم و الفرج\" [قال الترمذي: حديث حسن صحيح] .
وسأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: \"ألا أخبرك بِمِلاكِ ذلك كلِّه؟\" قال: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسان نفسه ثم قال: \"كُفَّ عليكَ هذا\". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: \"ثَكِلَتْكَ أمُّكَ يا معاذ؛ وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوهِهِم –أو على مَناخِرِهِم– إلا حصائدُ ألسنتِهم\". [قال الترمذي: حديث حسن صحيح].
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: إذا أصبح ابنُ آدمَ فإنَّ أعضاءَه تُكَفِّرُ اللسانَ؛ تقول: اتقِ اللهَ فينا؛ فإنكَ إنِ استقمتَ استقمنا، وإنِ اعوججتَ اعوججنا.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُهُ، ولا يستقيمُ قلبُهُ حتى يستقيمَ لسانُـهُ، ولا يدخلُ الجنـةَ حتى يأمنَ جارُهُ بَوائقَهُ\". [رواه أحمد، وابن أبي الدنيا في \"الصمت\"، وحسنه الألباني]
يقول ابن القيم: يقول الشيطان لأبنائه: قوموا على ثغر اللسان؛ فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك؛ فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع، ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالوا بأيهما ظفرتم:
أحدهما: التكلم بالباطل؛ فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم.
والثاني: السكوت عن الحق؛ فإن الساكت عن الحق أخ لك أخرس ، كما أن الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم، أما سمعتم قول الناصح: \"المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس\"؟! وفى اللسان آفتان عظيمتان؛ إنْ خلص العبد من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت. وقد يكون كل منهما أعظم إثما مِن الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله، مراءٍ مداهن؛ إذا لم يخف علي نفسه.. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاصٍ لله.. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته؛ فهم بين هذين النوعين. وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة؛ فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه، ضائعة بلا منفعة؛ فضلا أنْ تضره في آخرته.. وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال؛ فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال؛ فيجد لسانه قد هدمها مِن كثرة ذكر الله عز وجل، وما اتصل به.] [الجواب الكافي (ملخصًا)].
ولما كانت آفات اللسان كثيرة، ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع؛ فلا نجاة من خطرها إلا بالصمت، سأل عقبة بن عامر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما النجاة؟ قال: \"أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليَسَعْكَ بيتُكَ، وابكِ على خطيئتِكَ\" [رواه الترمذي وابن أبي الدنيا والبيهقي، وقال الألباني: صحيح لغيره]
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ما صلح منطق رجل إلا عُرف ذلك في سائر عمله.
قال سفيان الثوري: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره.
قال علي بن بكار: جعل الله تعالى لكل شيء بابين، وجعل للسان أربعة أبواب: فالشفتان مصراعان، والأسنان مصراعان.
قال وهب بن منبه: في حكمة آل داود: حق على العاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مُقبلاً على شأنه.
قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا، قال: أجلس مع الصحابة والتابعين وأنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.
ويروى عنه رحمه الله أنه قال:

اغتنم ركعتين زلفى إلى الله * * * إذا كنت فارغا مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق بالباطل * * * فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من خوض* * * وإن كنت بالكلام فصيحا
عن مالك بن دينار عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب: يا أحنف! مَن كثر كلامه كثر سَقطه، ومَن كثر سقطه قَلَّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قل ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه.
قال عطاء: فضول الكلام ما عدا تلاوة القرآن، والقول بالسنة عند الحاجة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تنطق في أمر لا بدَّ لك منه في معيشتك، أما يستحيي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره أن يرى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟! ثم تلا: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ) [الانفطار:10-11] و(عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) [ق:17-18]
قال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك؛ فإنما جُعل لك أذنان وفم واحد؛ لتسمع أكثر مما تتكلم.
قال الشاعر:
احفظ لسانك أيها الإنسان * * * لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه * * * كانت تهاب لقائه الشجعان
وقال ثالث :
الصمت زين والسكوت سلامة * * * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
فإذا ندمت على سكوتك مرة * * * فلتندمن على الكلام مرارا
قال ابن مسعود: والله الذي لا إله غيره؛ ما شيء أحق بطول سجْن من لسان.
ذكر الإمام مالك في \"الموطأ\" عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك! فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد!! .
قيل لبكر بن عبد الله المزني: إنك تطيل الصمت! فقال:إن لساني سبعٌ، إن تركته أكلني.

2- غض البصر عن المحرمات : 

جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غَضَّ العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته.. ويتبين الأمر بضرب مثل مطابق للحال، وهو أنك إذا ركبتَ فرسًا جديدًا فمالت بك إلى درب ضيق لا يُنفِذ، ولا يمكنها تستدير فيه للخروج، فإذا هَمَّتْ بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فَصِحْ بها، ورُدَّها إلى وراء عاجلاً قبل أنْ يتمكن دخولها؛ فإنْ رددتَها إلى ورائها سَهُل الأمر، وإنْ توانيتَ حتى وَلَجَتْ، وسُقْتَها داخلاً، ثم قمتَ تجذبها بِذَنَبِها عَسُرَ عليـك، أو تَعَذَّرَ خُروجُها..! فهل يقـول عاقـل: إنَّ طريق تخليصها سوقها إلى داخل؟! .
فكذلك النظرة إذا أثَّرَتْ في القلب.. فإنْ عَجَّـل الحازمُ، وحَسَمَ المادةَ مِن أوَّلِها سَهُل علاجه، وإنْ كرَّرَ النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصورة، ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه؛ تمكنت المحبة.. وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة؛ فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب، ويُعرِض عن الفكر فيما أُمِرَ به؛ فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويُلقِي القلب في التلف.. والسبب في هذا أنّ الناظر التذَّتْ عينُه بأول نظرة؛ فطلبت المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة.. ولو أنه غَضَّ أولاً لاستراح قلبه وسلم.
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : \"النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِن سهامِ إبليسَ\" فإنَّ السهم شأنه أن يسري في القلب؛ فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم، فإنْ بادر استفرغه؛ وإلا قتله ولا بد..! .
والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإنْ لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار تُرمَى في الحشيش اليابس؛ فإنْ لم تحرقه كله أحرقت بعضه، كما قيل:
كلُّ الحوادثِ مَبدأُها مِنَ النظرِ* * * ومُعظَمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشَّرَرِ
كم نظـرةٍ فَتَكَتْ في قلبِ صاحبِـهـا* * * فَتْكَ السهامِ بلا قَـوْسٍ ولا وَتَـرِ
والمرءُ مـا دامَ ذا عَيْـنٍ يُقَـلِّبُها * * * في أعْيُنِ الغِـيدِ مَوقوفٌ على الخَطَرِ
يَـسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَـرَّ مُهْجَـتَهُ* * * لا مَرحبًا بسرورٍ عادَ بالضَّررِ
عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"ثلاثةٌ لا ترى أعينُهم النارَ: عينٌ حَرَسَت في سبيلِ اللهِ، وعينٌ بَكَت مِن خشيةِ اللهِ، وعينٌ كَفَّت عن مَحارمِ اللهِ\". [رواه الطبراني ورواته ثقات، وقال الألباني: حسن لغيره]
وفي غض البصر عدة منافع؛ منها:
- أنه يورث القلب أنسًا بالله؛ فإن إطلاق البصر يفرق القلب، ويشتته، ويبعده من الله، ويورث الوحشة بين العبد وربه.
يقول أطباء القلوب: بين العين والقلب منفذ وطريق، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار محلاً للقاذورات؛ فلا يصلح لسكن معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه، والأنس والسرور بقربه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك.
- أنه يُلبِس القلب نورًا، كما أن إطلاقه يُلبسه ظُلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى آية النور عقيب الأمر بغض البصر، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور: 30]، ثم قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاح) [النور: 35] أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن؛ الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.
- أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، و الصادق والكاذب. كان \"شجاع الكرماني\" يقول: مَن عمَّر ظاهره باتباع السنه، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال؛ لم تخطئ لـه فراسة. وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة.
ومَن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فإذا غض العبد بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضًا عن حبس بصـره لله، ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة.
- أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها. وإطلاق البصر ينسيه ذلك، ويحول بينه وبينه؛ فينفرط عليه أمره، ويقع في اتباع هواه، وفي الغفلة عن ذكر ربه.
سئل أحد المعاصرين لـ\"عتبة الغلام : أتعرف أحدًا يمشي في الطريق مشتغلاً بنفسه؟ قال: ما أعرف إلا رجلاً؛ الساعة يدخل عليكم. فلما دخل عتبة؛ وطريقه على السوق، قال: يا عتبة! مَن تَلَقَّـاك في الطريق؟ قال: ما قابلتُ أحدًا..!.
وكان الربيع بن خثيم من شدة غضه لبصره وإطراقه؛ يظن بعض الناس أنه أعمى! .
وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود رضي الله عنه عشرين سنة، فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود: صديقك الأعمى قد جاء! فكان ابن مسعود رضي الله عنه يضحك من قولها. وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا نظر إليه يقول: وبشِّر المخبتين.. أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك.

3- تنزيه السمع عن اللغو : 

قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36] .
إنْ كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب، السمع أولاً، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان بمجرد أنْ يُولَد تعمل عنده حاسة السمع، أما البصر فإنه يتخلف عن السمع لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة.
الأخرى: أن السمع هو الحاسَّة الوحيدة التي تُؤدي مهمتها حتى حال النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم.
وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطل حاسة السمع لديهم، وإلا لَمَا تمكَّنوا من النوم الطويل، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) [الكهف:11].
ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي: (رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا.. ) [السجدة:12]، والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس من هَوْلها فيقولون: (رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحا) [السجدة:12] لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا.
فالسمع أول الحواس، وهو أهمها في إدراك المعلومات، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع قبل أن يقرأ، فتعلَّم أولاً بالسماع ألف باء، فالسمع أولاً في التعلُّم، ثم يأتي دَوْر البصر.
والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ) [السجدة:9]، إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36].
وحفظ الأذن يتحقق بتنزيه السمع عن الغيبة والنميمة، والفُحش، وقول الزور، واللهو، والغناء المحرم، ومزامير الشيطان، وكل ما هو باطل.
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن؛ فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها يُنبت النفاق في القلب كما يَنبت العشب على الماء.] [إغاثة اللهفان] .
وليحذر الذين يأخذون بالرُّخَص في جُلِّ شئونهم؛ قال سليمان التيمي /: لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما منكم مِن أحد إلا سيخلو الله عز وجل به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثم يقول: يا ابن آدم! ما غَرَّك بي؟ يا ابن آدم! ما عملتَ فيما علمتَ؟ يا ابن آدم! ماذا أجبتَ المرسلين؟ يا ابن آدم! ألم أكن رقيبًا على عينك؛ وأنت تنظر بها إلى ما لا يحل لك؟ ألم أكن رقيبًا على أذنيك؟ وهكذا حتى عَدَّ سائر أعضائه. 

4-كف اليدين والرجلين عن الحرام : 

الصائم كما يكف لسانه وعينه وأذنه وقلبه عن الحرام فإنه كذلك يكف يده ورجله عن الحرام , فلا تمتد يده بأذى الناس ولا بأكل أموالهم بالباطل , ولا يمشي بقدميه إلى ما يغضب الله , قالت عائشة رضي الله عنها : ما ضَرَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله عز وجل . رواه مسلم .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَيَامٍ وَصَلاَةٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.
- وفي رواية : تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ ، قَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. خرجه أحمد 2/303(8016) و\"مسلم\" 6671 و\"التِّرمِذي\" 2418 .

أصابت عُروة الأكِلةُ في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك فقُطعت رجله والوليد حاضر فلم يتحرَّك، ولم يشعر الوليد أنها تُقطع حتى كُويَتْ، فوجدوا رائحة الكيِّ، وبقي بعد ذلك ثماني سنين. ولما قُطعت رجله ووُضعت بين يديه قال: الحمد لله الذي أخذ مني واحدة، وأبقى لي ثلاثا، يعني رجله الأخرى ويديه. ولم يدع وِردَةُ تلك الليلة. وقال أيضا:
مَعْن بن أَوْس المُزَنِيّ
لَعَمْرُكَ ما أَهْوَيْتُ كَفِّي لرِيبَةٍ ... ولا حَمَلَتْنِي نَحْوَ فاحِشَةٍ رِجْلي
وأَعْلَمُ أَنِّي لم تُصِبْنِي مُصِيبَةٌ ... مِن الدَّهْرِ إلاّ قد أَصابَتْ فَتىً قَبْلِي
ولا قادَنِي سَمْعِي ولا بَصَرِي لَها ... ولا دَلَّنِي رَأْيٌ عَلَيْها ولا عَقْلِي
ولا مُؤْثِراً نَفْسِي على ذِي قَرابَةٍ ... وأُثِرُ ضَيْفِي، ما أَقامَ، على أَهْلِي

دخل واحد من السلف أحد المزارع و كان جائعا متعبا فشدته نفسه، لأن يأكل و بدأت المعدة تقرقر، فأطلق عينيه في الأشجار فرأى تفاحة، فمد يده إليها ثم أكل نصفها، ثم شرب من ماء النهر بجانب المزرعة يطلب منه أن يحلل له ما أكله من هذه التفاحة فبحث حتى وجد داره فطرق عليه الباب فلما خرج صاحب المزرعة استفسر عن ما يريد، قال صاحبنا \"دخلت بستانك الذي بجوار النهر و أخذت هذه التفاحة و أكلت نصفها ثم تذكرت انها ليست لي و أريد منك أن تعذرني في أكلها و أن تسامحني عن هذا الخطأ فقال الرجل : لا أسامحك ، و لا أسمح لك أبدا إلا بشرط واحد ، قال صاحبنا \" وهو ثابت بن النعمان\": و ما هو هذا الشرط؟ قال صاحب المزرعة: أن تتزوج ابنتي....قال ثابت:أتزوجها، قال الرجل:ولكن انتبه إن ابنتي عمياء لا تبصر ، خرساء لا تتكلم ، صماء لا تسمع ، و بدأ ثابت بن النعمان يفكر يقدر- أنعم بها من ورطة – ماذا يفعل؟ ثم علم أن الابتلاء بهذه المرأة و شأنها و تربيتها و خدمتها خير من أن يأكل الصديد في جهنم جزاء ما أكله من التفاحة و ما الأيام و ما الدنيا إلا أياما معدودات، فقبل الزواج على مضض و هو يحتسب الأجر و الثواب من الله رب العالمين. و جاء يوم الزفاف وقد غلب الهم على صاحبنا كيف أدخل على امرأة لا تتكلم ولا تبصر ولا تسمع فاضطرب حاله و تمنى لو ابتلعته الأرض قبل هذه الحادثة و لكنه توكل على الله و قال((لا حول ولا قوة إلا بالله و إنا لله و إن إليه راجعون)) ودخل عليها يوم الزفاف فإذا بهذه المرأة تقوم إليه وتقول السلام عليكم ورحمة الله و بركاته فلما نظر إليها تذكر ما يتخيله عن الحور العين في الجنة. قال بعد صمت: ماذا؟ إنها تتكلم تسمع و تبصر فأخبرها بما قاله أبوها عنها قالت: ((صدق أبي و لم يكذب)). قال:اصدقني الخبر قالت: أبي قال عني: إنني خرساء؛ لأني لم أتكلم بكلمة حرام، ولا تكلمت مع رجل لا يحل لي، و إني صماء؛ لأني ماجلست في مجلس فيه غيبة و نميمة ولغو,و إني عمياء؛ لأني لم أنظر إلى رجل لا يحل لي. فانظر و اعتبر بحال هذا الرجل التقى و هذه المرأة التقية وكيف جمع الله بينهما.

5- تصفية القلب من الذنوب: 

ويجب علينا جميعًا أن نعلم أن أهم هذه الأعضاء التي يجب أن نبدأ بها ونصلحها هو القلب، كما قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسلم-: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب هذا الارتباط العجيب بين القلب وبين الأعضاء قال فيه أبو هريرة رضي الله عنه، وجاء -أيضًا- عن غيره من السلف أنه قال: القلب ملك والأعضاء جنوده.

فقال شَيْخُ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله: «إن قول رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما في الحديث المتقدم أبلغ وأبين من قول أبي هريرة -رضي الله عنه- ومن قال هذه العبارة، لأن الارتباط بين الأعضاء والقلب ارتباط عضوي لا يمكن أن يختلف ولا يمكن أن ينفصل، أما الارتباط في الصلاح والفساد بين الملك وجنوده، فهذا قد يقع فيه الاختلاف، فربما صلح الملك وفسد الجنود، وربما فسد الملك وصلح الجنود، وربما فسد الملك وصلح بعض الجنود وفسد بعضهم.

وقد جاء في دعاء إمام الموحدين خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴿87﴾ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴿88﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:87-89 فسلامة القلب هي دليل ومعيار النجاة من عذاب الله تبارك وتعالى، ومن الخزي يوم القيامة وشدته، وعبوسه، وكرباته، كل هذا يكون بسلامة القلب، وسلامة القلب تكون بأمرين لا يجوز أن نغفل عنهما، بل يجب أن نعلمهما:
أما الأول: سلامته من الشبهة، وأعظم ما ينبغي في ذلك أن يسلم القلب من الشرك بالله تبارك وتعالى، وألا يكون في قلب العبد المؤمن شيئًا من الشرك لغير الله -عز وجل- سواء كان ذلك بالتقرب، أو بالتأله في الدعاء، أو التوكل، أو الخشوع، أو الخوف، أو الرجاء، وفي أصول هذه الأعمال التي هي أساس أعمال القلب، فليحذر العبد أن يكون مشركًا مع الله -تبارك وتعالى- بشيء من هذه الأعمال والتعبدات.

وعن دور الصوم في إصلاح النفوس يقول الإمام ابن القيم :للصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى الباطنة وحميتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها ، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى : \" يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون \"[ البقرة 185].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم :\" الصوم جنة . وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام ، وجعله وجاء هذه الشهوة . والمقصود : أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة ، شرعه الله لعباده رحمة بهم وإحسانا إليهم وحمية لهم وجنة .( زاد المعاد من هدى خير العباد 2/30 .
قال عبدالله بن المبارك:
رأيتُ الذنــوبَ تُميـتُ القلوبَ * * * وقـد يُــورِثُ الذُّلَّ إدمانُـهــا
وتَركُ الذنوبِ حياةُ القـلـوبِ * * * وخيرٌ لنفسِــكَ عِصيانُـهـا
ويقول الصابي في الذي يصوم عن الطعام فقط ويدعو إلى التخلي عن العيوب والآثام:
يا ذا الذي صام عن الطعام* * * ليتك صمت عن الظلم
هل ينفع الصوم امرؤ طالما * * * أحشاؤه ملأى من الاثم?
ويؤكد أحمد شوقي ذات المعنى فيقول:
يا مديم الصوم في الشهر الكريم * * * صم عن الغيبة يوما والنميم
ويقول أيضا :
وصلِّ صلاة من يرجو ويخشى * * * وقبل الصوم صم عن كل فحشا
- فمن صام عن الطعام والشراب فصومه عادة.
- ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومه عدة وعبادة.
- ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فإنه صائم رضا.
- ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقى.
- ومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم وصي.
- ومن صام عن المنكر والأغيار وأفطر على الفكرة والاعتذار فهو صائم سعيد.
- ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو صائم سالم.
- ومن صام عن خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم.
- ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر تكثير آماله فهو صائم مشاهد.
- ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائم زاهد.
قال ابن القيم: الصوم لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار المقربين لرب العالمين.

ولله در القائل :
إذا لـم يكنْ فـي السمـعِ مِنّي تَصَوُّنٌ *** وفي بصـري غَضٌ ، وفي منطقي صَمْتُ
فحَظّي إذًا مِن صومِي الجوعُ والظمأ *** وإن قُلتُ: إني صُمْتُ يومًا فما صُمْتُ
فلابد في الصوم من كف اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والهذيان، وكف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، وكف البصر عن النظر، إلى كل ما نهى الله عنه، وكف بقية الجوارح عن ارتكاب المحرمات، وهذه غاية الصوم \'لعلكم تتقون\' فالصائم يراقب الله في جميع أعماله، فتتمثل عظمة الله في قلبه، فيحجم عن فعل القبيح، وترتدع نفسه عن إتيان الشهوات، وأهون الصوم ترك الطعام والشراب، والله عندما فرض علينا الصوم لم يرد منا حرمان النفس وتجويعها، وإنما أراد أن تظهر علينا ملكة التقوى والمراقبة والخشية له جل شأنه، لتحجز الصائم عن فعل القبيح والمنكر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا ، فَلاَ يَرْفُثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ.
ـ وفي رواية : إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا ، فَلاَ يَرْفُثْ ، وَلاَ يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ. أخرجه مالك \"الموطأ\" 206 . و\"أحمد\" 2/245(7336) و\"البُخاري\" 1894 و\"مسلم\" 3/157 .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، وَالْجَهْلَ ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
ـ وفي رواية : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.
أخرجه أحمد 2/452(9838) و\"أبو داود\" 2362 و\"ابن ماجة\" 1689 و\"التِّرمِذي\" 707 و\"النَّسائي\" في \"الكبرى\" 3233 .
عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا ، وَإِنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا , وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، أَوْ سَكَتَ ، ثُمَّ عَادَ ، وَأُرَاهُ قَالَ : بِالْهَاجِرَةِ ، قَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّهُمَا وَاللهِ قَدْ مَاتَتَا ، أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا ، قَالَ : ادْعُهُمَا ، قَالَ : فَجَاءَتَا ، قَالَ : فَجِيءَ بِقَدَحٍ ، أَوْ عُسٍّ ، فَقَالَ لإِحْدَاهُمَا : قِيئِي , فَقَاءَتْ قَيْحًا ، أَوْ دَمًا , وَصَدِيدًا , وَلَحْمًا ، حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ ، ثُمَّ قَالَ لِلأُخْرَى : قِيئِي , فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ ، وَدَمٍ ، وَصَدِيدٍ ، وَلَحْمٍ عَبِيطٍ ، وَغَيْرِهِ ، حَتَّى مَلأَتِ الْقَدَحَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَيْهِمَا , جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى ، فَجَعَلَتَا يَأْكُلاَنِ لُحُومَ النَّاسِ. - أخرجه أحمد 5/43 1(24053).
فعلى الصائم أن يحفظ جوارحه عن كل ما حرم الله تعالى , فيحفظ لسانه عن جميع المعايب ؛ من سب وشتم وقذف وغيبة ونميمة ولغو , ويصون عينيه عن النظر إلى ما حرم الله , وأذنيه عن سماع اللغو والباطل , ويده ورجليه عن الحرام , وقلبه عن الغل والحقد والحسد .

 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More